مانشيت البناء لافروف والمعلم يرسمان استراتيجية ما بعد داعش... وتفجير بدمشق للإرباك عون للإصلاح والمقاومة وعودة النازحين... وقانصو: العهد فرصة لا يجوز أن تضيع بري يستشعر خطراً خارجياً ويستثمر على الوحدة الداخلية...

كتب المحرّر السياسي

بين لقاء وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف ووزير خارجية سورية وليد المعلم وتفجيرات دمشق الانتحارية حبل سري، يكشفه بلوغ الرهان الأميركي على صمود داعش العسكري مرحلة اليأس، بلوغ داعش عتبة الانتحار، بالقدر الذي بدا لقاء لافروف – المعلم قراءة لمرحلة ما بعد داعش وموجباتها، ومحدّداتها، والاستعداد لملاقاتها بمبادرات ومواقف تعبّر عن الثوابت السورية الروسية المشتركة، وعن الحلف الذي يمثلانه، بدت التفجيرات الانتحارية محاولة يائسة وظفت لها معلومات وخطوط وخيوط يبدو أنّ داعش بات يفقتدها، لتمكين انتحارييه من بلوغ أماكن حساسة في العاصمة السورية، لإيصال رسالة موجعة، فشلت في تحقيق أهدافها، وأسقطها الحضور السوري المادي والمعنوي بجهوزية عالية في ميدان الأمن كما في ميادين القتال. ومع سقوط حروب الاستنزاف العسكرية والأمنية، على أسوار دمشق وبتضحيات الشعب والجيش والحلفاء، يمكن للوزيرين لافروف والمعلم التفرّغ لرسم رؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة وعنوانها ما بعد داعش، وفيها إسقاط الغطاء عن بقاء القوات الأميركية في سورية، وتخيير الجماعات الكردية بين الانضمام للعملية السياسية في جنيف ومسار التهدئة في أستانة، أو تلقي تبعات التعامل كتمرّد عسكري انفصالي، والتوجّه لاستحقاق الإعمار تحت عنوان الأولوية لحلفاء ومخاطبة الراغبين بالدعوة للانضمام لمسار احترام سيادة سورية واستقلالها ومخاطبتها كدولة كاملة السيادة وصاحبة القرار فوق أراضيها، بدءاً برفع العقوبات الجائرة المفروضة عليها.

المسار السوري الواضح في ذهابه نحو نصره الحاسم، رغم محاولات الإعاقة والعرقلة، لا يزال جزءاً من لوحة إقليمية ملبّدة بالغيوم، رغم صعوبة توقع عودتها للمواجهات، المحكومة سلفاً بموازين قوى تجعل المعادلة السائدة مختصرة بثنائية، أنّ الراغبين بالحروب غير قادرين عليها، والقادرين على الحروب غير راغبين بها، ويمكن توقع تحوّل التصعيد وغبار المواجهات والتحضير للاشتباك إلى أوراق تفاوضية، لكن المناخات المسمومة ستبقى طاغية حتى تنجلي الغيوم وتنعقد الموائد لحوار وتفاوض لا يبدو بعيداً، كما ترى مصادر دبلوماسية واسعة الإطلاع وتؤكد استبعادها اندلاع مواجهات كبرى، سواء تحت العنوان الكردي أو تحت عنوان الملف النووي الإيراني أو ملف حضور حزب الله في الساحات الإقليمية.

في قلب التوترات والتصعيد يبدو لبنان، متوجّساً من خطر

اهتزاز استقراره، ولو في المرحلة الرمادية قبل أن ينجلي غبار المواجهات التمهيدية، واتضاح اتجاه السياسات النهائية، خصوصاً في ظلّ حضور ملف التصعيد بوجه حزب الله الذي يحتلّ حيّزاً مهماً من المناخات الإعلامية والسياسية الساخنة، ويعني لبنان أكثر من أيّ بلد آخر، كما يعنيه عدم تسرّع بعض اللبنانيين في قراءة المناخات الدولية والإقليمية، والتأسيس عليها للدخول في توترات واصطفافات داخلية تعيد إنتاج الانقسام تغري اللاعبين الخارجين بدورهم بالاستثمار عليها وجعلها أداتهم الرئيسية بوجه حزب الله وإرباكه، ويكون الخاسر هو لبنان في النهاية، وفقاً لما تنقله مصادر متابعة عن رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي يؤكد أمام زواره أنّ همّه الأوّل في هذه المرحلة تشجيع الأطراف اللبنانية على التلاقي وتخطّي لغة التصعيد وتجاوز الحسابات الانتخابية التي تُغري بلغة المواجهة، لتخطي المطبات الدولية والإقليمية الصعبة، مبدياً ارتياحه لمناخ التفاهم الرئاسي من جهة، وواضعاً اللقاء الثلاثي الذي جمعه برئيس الحكومة سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط في سياق تحصين التفاهم الرئاسي وتعميم مناخاته وتوسيع دائرته.

في هذا المناخ ذاته، ينقل زوار رئيس الجمهورية عنه أنّ السكون ينتج تآكل قوة الدفع التي يوفرها انتظام الحياة السياسية وانسجام المؤسسات الدستورية، فيضع قضية الإصلاح المالي والاقتصادي أولوية دائمة على الطاولة، ويشدّد على تمسك لبنان بمصادر قوته وفي مقدّمتها وحدته الوطنية، وجيشه القوي، ومقاومته الحاضرة بوجه أيّ عدوان أو خطر، لينتقل الرئيس ميشال عون إلى قضية القضايا التي يراها راهنة وداهمة وهي تسريع حلّ يضمن عودة النازحين السوريين، وتخطي التعقيدات التي يعيشها البعض ولا تزال تحول دون امتلاك خطة واضحة تضمن هذه العودة رغم بلوغ المساحة الآمنة في سورية التي يمكن ضمان عودة النازحين إليها أكثر من ثلاثة أرباع مساحة سورية.

رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الوزير علي قانصوه ثمّن مواقف رئيس الجمهورية بعد زيارته في بعبدا، داعياً للوقوف بقوة وراء العهد والاستثمار على ما يمثّله من فرصة لا يجوز أن تضيع من أيدي اللبنانيين.

قانصو: العهد يشكّل فرصة ثمينة لبناء الدولة

في موازاة الجهود التي يبذلها أركان الدولة لاحتواء الأزمة المالية والاقتصادية والمعيشية التي تتهدّد استقرار البلاد من الداخل، وذلك من خلال تنفيذ «الاتفاق المالي» بإقرار قانونَيْ الضرائب وسلسلة الرتب والرواتب في الجلسة التشريعية الأخيرة وإقرار مشروع الموازنة المرجّح بعد منتصف الشهر الحالي في جلسات متتالية دعا إليها رئيس المجلس النيابي نبيه بري الأسبوع المقبل، تترقّب الأوساط السياسية تداعيات الهجمة الأميركية «الإسرائيلية» السعودية على حزب الله، بعدما تقاطعت تصريحات متتالية لمسؤولين سعوديين و«اسرائيليين» وأميركيين تهدّد بفرض عقوبات مالية ومزيدٍ من الحصار وتضييق الخناق على الحزب وتنفيذ اغتيالات لقياديين في المقاومة ولا تخلو من التلويح بشن حربٍ عسكرية، ما فرض على القيادات اللبنانية تنسيقاً فوق العادة لتحصين الجبهة الداخلية لمواجهة الانعكاسات المحتملة.

هذا المناخ الدولي والإقليمي المستجدّ والتأثيرات المرتقبة على الساحة المحلية واستعداد لبنان الرسمي للتعامل معها الى جانب الأوضاع الداخلية، كانت محور اهتمام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مع زواره في بعبدا.

فقد شدّد رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الوزير علي قانصو بعد لقائه الرئيس عون على أهمية استمرار المناخ الوفاقي واستكمال بناء مشروع الدولة، لأن العهد الحالي يشكّل فرصة ثمينة لبناء الدولة وإنتاج إدارات كفوءة ونزيهة قادرة على مواجهة الفساد من خلال المؤسسات التي تعمل فيها».

وثمّن قانصو «إرادة الرئيس عون في هذا المجال»، معرباً في الوقت نفسه عن خشيته «من أن تصطدم هذه الإرادة بعراقيل قد تفوّت الفرصة على اللبنانيين لبناء دولتهم في هذا العهد». وأثنى على «دور رئيس الجمهورية في موضوع سلسلة الرتب والرواتب وإعادة تأمين مداخيلها للتمكّن من دفع الرواتب وفق القانون الجديد، وفي موضوع إقرار الموازنة وعودة الانتظام الى الحياة الاقتصادية والمالية في لبنان».

عون: لا مساومة ولا تنازل عن سلاح المقاومة

ونقل زوار بعبدا عن عون لـ «البناء» ارتياحه للتوافق السياسي الذي سبق ورافق إنجاز قانون الضرائب في المجلس النيابي وقبله قانون السلسلة وتأكيده بأن مسار الإصلاح مستمر، وهناك ملفات عدة تنتظرنا لتحصين الاستقرار السياسي والمالي والاقتصادي»، كما نقل الزوار عن عون أن «تمسّك لبنان بسلاح المقاومة هو من المسلّمات الأساسية لدى الرئيس عون ولا مجال للمساومة في هذا الأمر أو التنازل عن حق لبنان في الدفاع عن أرضه وشعبه وحدوده ضد أي عدوان خارجي». كما نقلوا عن رئيس الجمهورية تشديده على أن «سلاح المقاومة لا يزال يشكّل حاجة ضرورية واستراتيجية للبنان بالتكامل مع الجيش اللبناني في ظل الخطر «الاسرائيلي» المتواصل على لبنان، وأن رئيس الجمهورية أعلن هذا الموقف في كلمته في الأمم المتحدة وأمام المسؤولين الأميركيين والأمميين الذين التقاهم على هامش اجتماع الجمعية، لا سيما السفير جيفري فيلتمان».

ونقل الزوار أيضاً عن عون إيلاءه ملف النزوح السوري أهمية بالغة، ويعتبره المسلمة الثانية ولا يحتمل التأخير لحسم هذا الملف وتجب معالجته بعيداً عن الخلافات السياسية في ظل تزايد حجم المخاطر الاقتصادية والأمنية الذي يشكله النزوح السوري على لبنان، وفي ظل النيات الأميركية والدولية المبيّتة لتوطينهم في الدول المضيفة»، كما شدّد على «ضرورة التنسيق مع الحكومة السورية في هذا الملف».

وفي سياق ذلك، رد أمين سر تكتل التغيير والاصلاح النائب ابراهيم كنعان في حديث تلفزيوني على منتقدي لقاء وزير الخارجية جبران باسيل ووزير الخارجية السوري وليد المعلم، بأن «لقاء بين وزيري خارجية في الأمم المتحدة، ولم ينتظر باسيل تحت الشجرة لقاء ضابط سوري في عنجر، كما كان يفعل البعض».

وأكد كنعان أن «لبنان يريد التعاطي مع سورية من دولة إلى دولة، على أساس احترام كرامة اللبنانيين والسيادة اللبنانية، كما احترام السيادة السورية».

انتصارات المقاومة سبب التصعيد

وعن الهجمة الأميركية والسعودية و«الاسرائيلية» على حزب الله، أشارت مصادر مطلعة لــ «البناء» أن «هزيمة المشروع الأميركي في المنطقة وفي سورية تحديداً هو السبب الرئيس في تصاعد وتيرة التصعيد ضد الحزب ومحور المقاومة»، وأشارت الى أن «الهجمة الأميركية لم تتوقف منذ نشأة المقاومة وبالأساليب كافة، لكنها الآن لا زالت في إطارها الإعلامي ولم تترجم بأعمال أمنية وعسكرية على الأرض، لكن الاحتمالات كافة واردة». ولفتت الى أن «حزب الله والحلفاء والجيش السوري سيتابعون استئصال التنظيمات الارهابية في سورية، وهذه التهديدات الاعلامية والضغوط المالية وغيرها لن تثني المقاومة عن متابعة وجودها وقتالها الى جانب الجيش السوري في جبهات وميادين القتال في سورية»، مضيفة: «لو أن «اسرائيل» متيقنة من أن نتائج الحرب ستفضي الى القضاء على المقاومة وإزالة الخطر الوجودي الذي يمثله حزب الله عليها لما انتظرت الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى لشنّ الحرب على لبنان».

وأكّد رئيس تكتّل نوّاب بعلبك الهرمل النّائب حسين الموسويّ في تصريح أنّ «الولايات المتحدة الأميركيّة أمّ الإرهاب في العالم، وأن المملكة الوهابية أخذت على عاتقها تنفيذ البرنامج الأميركيّ الصهيونيّ في استنزاف قدرة قوى الممانعة والمقاومة ونشر ثقافة الذبح والقتل بين المسلمين ومسالمة الصهاينة المجرمين».

برّي: الوحدة الوطنية أهم سلاح للمواجهة

وفرضت المستجدّات الإقليمية نفسها على مواقف الرئيس بري في لقاء الأربعاء النيابي أمس، ونقل النواب عنه قوله إن أهم سلاح لمواجهة التحديات والأخطار في المنطقة هو الوحدة بين اللبنانيين، وأن كل ما يحصل على المستوى الداخلي من خطوات لتعزيز هذه الوحدة هو أهم بل العامل الأساسي لتحصين لبنان». وأضاف: «ما قمنا ونقوم به على الصعد كلها يصبّ في هذا الإطار، ومنها اللقاء الثلاثي الذي جمعني مع الرئيس الحريري والنائب جنبلاط، وأن هذا اللقاء يندرج في هذا الإطار وليس موجّهاً بطبيعة الحال ضد أي طرف أو فريق».

وأبدى رئيس المجلس، بحسب ما نقل زوار لـ «البناء» مخاوفه من الأخطار الخارجية المحدقة بلبنان وتشديده على أن ينصب التركيز في المرحلة المقبلة بعدما حققنا الإنجازات الداخلية على تمتين وتحصين الوحدة الداخلية الوطنية لمواجهة التحديات الخارجية في ظلّ ما يحصل في الإقليم من تطوّرات خطيرة وما الاجتماع الثلاثي في كليمنصو إلا خطوة استباقية لتحصين الجبهة الداخلية ضد أي محاولات خارجية لزعزعة الاستقرار السياسي أو الأمني في لبنان».

كما حذّر برّي بحسب الزوار من النيات «الاسرائيلية» ضدّ لبنان التي ظهرت في تصريحات وزير الحرب «الاسرائيلي»، مشيراً إلى الغليان الذي يلفّ المنطقة، وأن ما يحصل هو ردّ على الانتصارات التي يحقّقها محور المقاومة في سورية والعراق، واصفاً أزمة كردستان بالخطر الأساسي الذي من الممكن أن يتهدّد أمن واستقرار المنطقة برمّتها إذا نجح مشروع تقسيم المنطقة».

المشنوق في عين التينة من دون موعد!

على صعيد آخر، يبدو أن الملف الانتخابي تفاعل في اليومين الماضيين ما دفع وزير الداخلية نهاد المشنوق الى زيارة عين التينة من دون موعد مسبق، ما يؤشر الى مستجدات حدثت في الملف، بحسب ما علمت «البناء»، وكشفت مصادر مطلعة لها، أن «اتفاقاً تم بين الرؤساء الثلاثة منذ وقتٍ ليس ببعيد على إجراء الانتخابات النيابية وفقاً للآليات التقليدية، أي الاقتراع على الهوية العادية أو جواز السفر لا سيما أن قانون الانتخاب الجديد لحظ هذا الأمر»، مشيرة الى أن «البطاقة الممغنطة باتت خلفنا والجميع بات مقتنعاً باستحالة إنجاز 5 ملايين بطاقة ممغنطة خلال بضعة أشهر، كما أن مصير البطاقة البيومترية مجهول في ظل عجز وزارة الداخلية عن إنجازها في الموعد المطلوب». وكشفت المصادر أن الرئيس بري أبلغ المشنوق رفضه القاطع لتأجيل موعد الانتخابات بذريعة إنجاز الإصلاحات التقنية وإصراره على إنجاز الانتخابات في موعدها».

وقال وزير الداخلية بعد اللقاء إن «الحديث مع الرئيس بري تمّ حول الانتخابات النيابية وقانون الانتخابات، وما يجب أن نقوم به لإجراء هذه الانتخابات في موعدها ودولة الرئيس منفتح وجاهز لكل مناقشة حول هذا الموضوع»، ولفت الى أن «ما من شيء يعيق إجراء الانتخابات في موعدها».

وحول البند الذي سيناقش اليوم في مجلس الوزراء بشأن الاعتمادات للانتخابات قال: «هذه مصاريف تقليدية وليس لها علاقة بتطوير الأحوال الشخصية».

إقرار الموازنة الشهر الحالي

في غضون ذلك، دعا الرئيس بري إلى عقد جلسة عامة لمناقشة الموازنة الثلثاء والأربعاء والخميس في 17 و 18 و19 الجاري، نهاراً ومساء لهذا الغرض، على أن يتمّ في مستهلّها انتخاب أمينَي السر والمفوّضين الثلاثة وأعضاء اللجان النيابية.

وقالت مصادر نيابية لـ «البناء» إن «الموازنة ستقرّ في الجلسات الثلاث المقبلة ولا عقبات أمامها بعد إنجاز قانوني الضرائب والسلسلة على أن تذلل عقدة قطع الحساب بتضمين قانون الموازنة مادة قانونية تجيز للمجلس النيابي إقرار موازنة 2017 من دون قطع الحساب، على أن تعطى وزارة المل مهلة لإنجاز الملفات كلها المتعلقة بقطع الحساب عن السنوات الماضية».

ولفتت المصادر الى أن «إقرار السلسلة هو البند الثالث في الاتفاق السياسي الذي حصل بين الرؤساء، وبالتالي ستسلك الموازنة طريقها إلى الإقرار في المجلس الشهر الحالي». وشدّدت المصادر على أن «العلاقة بين الرئاسات الثلاث لا سيما بين عون وبري مستقرة وجيدة وتصبّ في مصلحة البلد وكل اتصالات أو لقاءات تخدم هذا الهدف مرحّب بها».

2017-10-12
عدد القراءت (893)