جريدة البناء سنديانة سورية وابتسامة القوة / حسين مرتضى/

حسين مرتضى

الأماكن لها ذاكرتها الخاصة كذاكرة البشر، وتحديداً الأماكن التي تنبض بالحياة، بعيداً عن الحسابات الهندسية التي تراها مادة مغلقة على نفسها.

هكذا تحتفظ الذاكرة بأيام مميّزة في دمشق التي تشعرك بالأمان، وكيف إذا كانت هذه الذاكرة تسجل أدق تفاصيل لقاء بالسيدة الأولى السيدة أسماء الأسد، في القصر الجمهوري في قلب دمشق، التي عادت إليها الحياة بعد أن ولّت الحرب وتسير نحو نهاياتها.

في الطريق الى القصر الجمهوري، تبدأ بشحذ حواسك، وإيقاظ ذاكرتك، حتى تستعيد أسماء الشوارع في دمشق، لتحملها معك للقاء السيدة الأولى، وفي جعبتك الكثير من القضايا. هكذا هو الحال قبل الوصول الى باب القصر، وتبدأ تظهر لك الملامح الأنيقة للحرس والموظفين، لتظهر بعدها السيدة أسماء بابتسامتها المعهودة، والتي اعتادت أن تنتظر ضيوفها على باب القصر الجمهوري، وعلى الفور يُدهشك التواضع الكبير في الاستقبال، ما يجعلك تشعر بسريان السكينة في نفسك.

بنبرة صوتها الرصينة والهادئة، بادرت السيدة في الحديث، لكن ما كان يجول في خاطري بهذه اللحظات، هو مدى القوة التي منحها لها الله عزّ وجلّ، وهي التي بدأت جرعات العلاج من مرض سرطان الثدي حديثاً، إلا أنها تحتفظ برونقها المعتاد، والذي شكّل أحد أوجه القوة للشعب السوري الذي كان ينتظر ابتسامتها في اللقاءات والفعاليات التي كانت ترعاها أثناء الحرب، أو يتابع وسائل الإعلام ليتفاءل بالنصر المقبل والذي كانت تشير إليه في كلّ لقاء أو اجتماع. ومن الملاحظ في بداية الحديث أيضاً، أنّ السيدة أسماء حوّلت المرض عاملَ قوة، انطلقت منه في مجالات مختلفة، شكلت دافعاً حقيقياً للكثير من السيدات في سورية وحتى العالم، لمقاومة هذا المرض، كما قاومت نساء سورية الإرهاب التكفيري، والذي يعتبر مرضاً من نوع آخر، وسجّلن حالة إبداع حقيقية وصمود في مضمار النشاط المدني والاجتماعي، حتى أنها تشرح بمعنوياتها المرتفعة عن حالتها الصحية، وكيفية اكتشاف المرض، فهي سنديانة سورية بحق، ويدهشك أيضاً التشابه الكبير بين السيدة الأولى وسيادة الرئيس الأسد، بالابتسامة الواثقة الهادئة، وهذا نلاحظه أيضاً في ابتسامة أبنائها.

بعد أقلّ من خمس دقائق من بداية الحديث، يقفز إلى ذهنك فوراً، البصمات الإنسانية الكثيرة للسيدة الأولى، والمتعلقة بعوائل الشهداء والجرحى، وحين ينتقل الحديث عنهم، استطعت أن أعرف مدى تأثيرها على مَن استطاعت استقبالهم من عوائل الشهداء والجرحى والمخطوفين، وأنّ هذا الملف يشغل الحيّز الأكبر من تفكير السيدة الأولى، التي تحمل الملفّ كهمّ شخصي وإنساني. وما لفت انتباهي أكثر أنّ الحديث عن الشهداء مع السيدة أسماء، كان من بنوده شهداء الحلفاء، وتحديداً شهداء المقاومة، وفي الدقائق القليلة وجّهت الكثير من الأسئلة وبحثت عن تفاصيل كثيرة عن عوائل شهداء المقاومة، وعن بعض الحالات الخاصة التي مرّت مع الشهداء، كانت تستمع بكلّ اهتمام.

الإصرار على الحياة، كان أحد جوانب الحديث الذي دار، فذاكرة السيدة الأولى تنطلق من عقل وذهن متّقد، تنتقل من فكرة إلى فكرة بشكل سلس ومنظم، ذاكرة تجمع فيها بين أيام الحرب الصعبة، والقدرة على التكيّف العالي مع تلك اللحظات، هنا انتقلت السيدة الأولى الى معركة الأركان وكيف أصرّت يومها على ذهاب إبنائها الى المدرسة، بالرغم من أصوات الاشتباكات القريبة، حتى أنها ذكرت كيف أنّ أحد الأبناء طلب منها البقاء في المنزل، ورفضت ذلك وأصرّت على وصولهم للمدرسة، ومتابعة يومهم الدراسي كأيّ من أطفال دمشق، ومن المفاجئ لي أنها تذكر أنني أصبت في تلك المعركة، كدليل بسيط على معرفتها بكلّ التفاصيل، وكيف عايشت الحوادث والأيام التي مرّت على سورية منذ بداية الحرب المفروضة على البلاد وحتى الآن.

ولا يُخفى على أحد، أنّ القضايا الإنسانية، هي محور أيّ حديث مع السيدة أسماء، والتي رعت دور رعاية المسنين ودور الأيتام والعجزة، واهتمّت اهتماماً منقطع النظير بذوي الاحتياجات الخاصة وأمراض الأطفال العادية والمزمنة، وأمّنت جُلّ مستلزماتهم واحتياجاتهم، وكانت تفرغ الكثير من وقتها للمبادرات النسائية، وأنشأت المؤسسات التي تدرّب وتؤمّن القروض للسيدات الريفيات بما يمكّن المرأة السورية، وتابعتها عن كثب، واهتمّت بملف المتفوّقين إذ تقوم سنوياً بتكريمهم ورعايتهم ومتابعتهم وإعطائهم مزايا تمكنهم من الحفاظ على تفوّقهم. وأطلقت مبادرة شباب وروافد ومسار وغيرها الكثير، ولا ننسى الاهتمامات المجتمعية لمشروع الأمانة السورية للتنمية، بالإضافة الى ملفات عديدة منها ملف الطفولة والمرأة والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة والأولمبياد العلمي والمركز الوطني للمتميّزين والمتفوّقين سنوياً والمبادرات المميّزة. كما قامت وتقوم السيدة أسماء الأسد بمتابعة أيّ مبادرة شعبية أو إنسانية أو أهلية أو محلية أو فنية على أيّ مستوى كان، تفرغ الكثير من وقتها لمتابعتها والاهتمام بها واحتضانها وتكريمها ومراقبة نجاحها، ناهيك عن لقائها اليومي والمستمرّ لما يزيد عن 5000 أسرة شهيد من كلّ شبر في البلاد ومتابعة أحوالهم المعيشية.

انتهى اللقاء الذي دام أكثر من ساعة، إلا أنّ ما حملته من فرح روحي، كان يعادل أضعاف هذا الوقت، والجملة التي كانت تتردّد في ذهني لحظة مغادرة القصر الجمهوري، أنه بجهود السيد الرئيس بشار الأسد وعقيلته، ما الحرب إلا فاصلة في كتاب التاريخ يمكن تجاوزها، والانطلاق بعدها لمستقبل يشعّ إنسانية.

مدير مكتب قناة العالم في سورية

2019-01-03
عدد القراءت (437)