جريدة البناء لماذا الآن تنفصل كردستان؟

مصطفى حكمت العراقي

لا يزال ملف استفتاء إقليم كردستان ودعوة قياداته للانفصال وإنشاء دولة كردية مستقلة هو الشغل الشاغل في العراق والمنطقة والعالم فمئات الحوارات والمقالات والتقارير تمّت كتابتها لجهة حلحلة الموضوع وإنشاء مقاربة تسمح باحتواء الموقف بعد ان أصبح أمراً واقعاً رغم انّ الكثير من الدول أعلنت معارضتها انفصال الإقليم عن العراق، ولكن الحقائق بدأت تنكشف تدريجياً لجهة المؤسّسات والمنظمات الأممية والدول التي دعمت الاقليم سراً ودفعته لإجراء الاستفتاء ووعدته بما لذّ وطاب، واول هذه الحكومات هي حكومة الكيان الصهيوني التي اعلنت جهاراً انها مع إنشاء الدولة الكردية، ومع تقسيم العراق، فجاء الردّ الكردي سريعاً بالأعلام الاسرائيلية التي ترفرف في أربيل، اضافة لصور عراب ما يُسمّى «الربيع العربي» برنارد هنري ليفي الذي ظهر مع المواطنين في مراكز الاستفتاء حتى احتضن رئيس حكومة الاقليم نيجرفان البرزاني، وصولاً إلى شكر قائد قوات البيشمركة مسرور البرزاني لنتنياهو على دعم الأخير للقضية الكردية، كما عبّر البرزاني الصغير، أما الدولة الاخرى التي دعمت بالسرّ فهي واشنطن، لأنه من غير المعقول ان يقوم البرزاني بخطوة خطيرة كهذه من دون إيعاز ودعم وطلب أميركي، حتى انّ أحد قادة الحشد عبّر صراحة لـ«البناء» أنّ معلومات سرية كشفت انّ السفارة الأميركية أوعزت لأربيل باتخاذ هذه الخطوة كبديل عن داعش بعد هزيمتها الساحقة امام القوات العراقية، فأصبح لزاماً اتخاذ خطوة بديلة تسمح لواشنطن ومن خلفها تل أبيب بتحقيق حلم التقسيم ووضع اليد على العراق بعد ان فشلت خطة داعش بتحقيق ذلك الهدف.

إضافة لهذا كانت الإمارات والسعودية من المؤيدين سراً لخطوات البازاني لعدة أسباب منها الموقف من أنقرة والنزاع الدائر بسبب مصر وملف الإخوان والأزمة الخليجية مع قطر، ووقوف أنقرة مع الدوحة وإقامتها قاعدة عسكرية في الدوحة، وصولاً للصراع الطائفي المستمرّ رغم ادّعاء ابو ظبي والرياض بعكس ذلك مع العراق، اضافة لهذه الاسباب فإنّ للرياض بالذات أهدافاً أخرى من انفصال كردستان، فالأخيرة التي تبدي مرحلة من الانفتاح الزائف على العراق منذ زيارة وزير خارجيتها عادل الجبير لبغداد في بداية العام الحالي، والتي تبعتها زيارة كلّ من رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الداخلية قاسم الأعرجي ومقتدى الصدر للرياض وادّعائهم جميعاً بأنّ الرياض مقبلة على تغيير سياستها مع العراق رغم انّ الشارع العراقي والعديد من الفاعليات السياسية والمجتمعية العراقية استهجنت ذلك باعتبار انّ الرياض لا تزال تدعم الإرهابيين في سورية وتقتل أبناء الشعبين اليمني والبحريني، كما أنها لم تتخذ خطوات عملية في غلق منابر التطرف والفتنة ضدّ العراق فكيف لنا ان نصدق ان الشيطان تحوّل إلى رحمان فجأة؟

وفي العودة لمتبنيات آل سعود نحو تجزئة العراق ودعم انفصال الأكراد نجدها في كلام أنور عشقي رجل الاستخبارات السعودي والمقرّب من البلاط في لقائه مع المسؤولين الاسرائيليين حينما قال انّ إنشاء دولة كردستان سيسهم في إضعاف طهران وانقرة ونشوء خلافات داخلية لجهة سعي أكراد إيران وأكراد تركيا للانضمام لدولة كردستان التي ستبدأ بانفصال كردستان العراق بشرط ان يكون رئيس الدولة من آل البرزاني لانهم على علاقة تاريخية مع تل أبيب، وهذه العلاقة ستسمح بنشوء كيان اسرائيلي بلباس كردي يحقق للصهاينة نفوذاً في قلب محور المقاومة ويسمح بشغل المحور بصراع آخر قد يمتدّ لسنوات كما حصل مع الأزمة السورية ونشوء داعش، وبذلك تشتري «إسرائيل» الوقت مجدّداً وتعطي لنفسها استراحة مؤقتة من تهديدات محور المقاومة وضرباته نحوها، بعد ان اصبح التطبيع العربي معها مباحاً وعلنياً، وأصبح بعض القادة العرب يدافعون عن خيارات نتنياهو في الأمم المتحدة اكثر من نتنياهو نفسه، بدليل كلام الرئيس المصري الأخيرعبد الفتاح السيسي في الأمم المتحدة…

من هنا يصبح الاستغراب ساقطاً لجهة دعم الرياض سياسياً لاستفتاء الأكراد ومن ثم انفصالهم وإنشاء دولتهم، فالسعودية تفتخر وعلى لسان ملوكها ومسؤوليها بأنها تقارب الملفات في المنطقة وتسير في الحلول التي ترغبها وتقرّرها واشنطن ومن خلفهما تل أبيب بالتأكيد.

أما اقتصادياً فإنّ للرياض مصلحة كبيرة بانفصال الأكراد فالنفط في العراق يتمّ تصديره عن طريقين الأول طريق البواخر في البصرة والثاني من شمال العراق بواسطة الأنابيب الواصلة إلى ميناء جيهان التركي والشاحنات التي تصل لإيران، وهو ما سيتوقف بحسب التهديدات التركية الإيرانية كردّ على الاستفتاء، حينها سيلجأ العراق لتجديد المطالبة بعودة سريان النفط عبر الأنابيب الممتدة من العراق إلى السعودية، والتي توقفت ابان غزو العراق للكويت، وهنا ستكون للمملكة ورقة ضغط وعامل نفوذ لها في العراق لجهة ابتزاز الأخير وتحقيق مكتسبات بوجه طهران لأنّ النفط هو المصدر الوحيد تقريباً لأموال الشعب العراقي ومن خلاله يمكن تحقيق المكاسب خصوصاً بأن عودة تصدير النفط العراقي عبر الأنابيب مع السعودية سيسمح بزيادة الطاقة التصديرية للعراق، وبالتالي رفع الواردات المالية، فهل ستنجح الرياض ومن خلفها واشنطن وتل أبيب بتحقيق المكاسب من وراء الاستفتاء؟ ام سيلتفت المعنيون في العراق وكامل محور المقاومة ليضعوا مقاربة تسمح باحتواء الموقف لتفويت الفرصة على من دبّر هذا المأزق الجديد؟

2017-10-07
عدد القراءت (317)