مانشيت البناء الأسد يتحدّث للدبلوماسيين متجاهلاً العروض... وارتباك في واشنطن وتل أبيب عشية قمة ترامب بوتين الجيش السوري يحسم درعا ويتوجّه نحو حدود الجولان... واستعداد لمواجهة أيّ تدخل «إسرائيلي» الأزمة الاقتصادية ل

كتب المحرّر السياسيّ:

الصمت السياسي السوري تجاه العروض الأميركية «الإسرائيلية»، تُرجم ارتباكاً في واشنطن وتل أبيب، حيث ارتفعت التوقعات بإمكانية تطرّق الرئيس السوري للعروض المتصلة بتفعيل اتفاق فك الاشتباك في الحوار الذي أعلن عن إجرائه مع الدبلوماسيين السوريين في وزارة الخارجية، وجاءت الانتظارات بلا عائد يمكن البناء عليه، مع تجاهل الرئيس بشار الأسد لهذه العروض وتركيزه على الحوار الداخلي وعمليات إعادة الإعمار وتفعيل الدور الدبلوماسي. ما رفع نسبة القلق والتوتر والارتباك تجاه مستقبل المواجهة في سورية، حيث الطريق مقفل في وجه كلّ محاولة لتغيير السياق الذي بات قدراً وعنوانه انتصارات الجيش السوري، واسترداده الجغرافيا التي تمّ انتزاعها بقوة التدخلات الأميركية «الإسرائيلية» لجماعات ليس خافياً ارتباطها بتنظيم القاعدة وأفكاره، وتبدو القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين بوابة الأمل الوحيدة لمعرفة النيات السورية، في كيفية إدارة معاركها المقبلة، بعدما صار واضحاً أنّ روسيا ترفض التعامل معها كوصيّ على القرار السوري، وتؤكد على البعد السيادي للقرار السياسي والعسكري الذي تُمسك به الدولة السورية ورئيسها وجيشها.

تطوّرات أمس، كانت مناسبة للمزيد من هذا الارتباك، فقد نجح الجيش السوري ببلوغ اللحظات الأخيرة ما قبل الإعلان عن تحرير مدينة درعا، ووحداته تُنجز تنظيف العديد من قرى وبلدات الريف الغربي لمحافظة درعا، وتقترب تدريجاً من الخط الحدودي مع الجولان المحتلّ، وتضع جماعات النصرة وداعش اللتان تحظيان بالرعاية والدعم من كيان الاحتلال وجيشه واستخباراته، بين خيارَيْ المواجهة والرحيل، في ظلّ قرار واضح بالتصدّي لأيّ تدخل «إسرائيلي»، سواء عبر الإسناد الناري للجماعات التابعة لداعش والنصرة أو بالغارات المشابهة لغارة أول أمس، على مطار التيفور قرب حمص، فيما قالت مصادر متابعة للمواجهة العسكرية السورية للتدخّلات «الإسرائيلية»، إنّ التصدّي سيرتفع منسوبه إلى الأعلى في ظلّ معركة الجنوب، وإنّ ميزان الردع الذي رسمت قواعده ليلة الصواريخ الطويلة في الجولان سيكون على موعد مع المزيد إذا أراد «الإسرائيليون» اختبار القرار السوري، من دون أن يسمعوا كلمة تروي عطشهم لمعرفة طبيعة النيات السورية لما بعد استرداد الجنوب، وربما كامل الجغرافيا السورية لما كانت عليه قبل العام 2011.

لبنانياً، حيث الحكومة الجديدة خارج أيّ مؤشرات إيجابية، وحيث التأقلم مع انتظار طويل صار عنوان كلّ حديث سياسي تضغط الأزمة الاقتصادية بقوة، ويشير المعنيون إلى أنّ الاقتراب من الخط الأحمر يتمّ بسرعة، وحيث الأزمات تطلّ برأسها بعناوين متعدّدة، من أزمات المعلمين المصروفين في المدارس الخاصة وأزمات أسعار خدمات المولدات الكهربائية مع برامج تقنين تزداد قسوة في ظلّ صيف شديد الحرارة، ونفايات تتراكم تلالاً وجبالاً وسهولاً وتنهش الأخضر واليابس وتلوّث الجامد والسائل بحراً ونهراً ومياهاً جوفية، وركود اقتصادي مميت يتحدّث عنه أصحاب الشأن مع خشية من ظهور أزمة خانقة للشيكات المرتجعة، في ظلّ وضع مصرفي مقلق عبّر عنه التوقف عن استقبال القروض السكنية، وكان لافتاً أنّ التعامل مع هذه الأزمة وضغوطها تحوّل مادة سجالية في تراشق بالاتهامات عن التسبّب بها وتحمّل مسؤوليتها، فمقابل ذهاب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط لربط الأزمة ببواخر الكهرباء كسبب لعجز الموازنة، قال وزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إنّ أزمة النازحين تشكل العنصر الرئيس في الأزمة وضغوطها، بينما تذهب الهيئات الاقتصادية إلى ربط تفاقم مخاطر الأزمة بالغياب الحكومي الذي يبدو طويلاً.

الحريري: متفائل ولكن!

عاد اللاعبون والمفاوضون إلى حلبة التأليف بعدما أمضوا إجازاتهم العائلية في الخارج، لكن بالتأكيد لن يكون المشهد الحكومي كما كان قبيل سفرهم، فمساعي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لم تتمكّن من احتواء الاحتقان بين التيار الوطني الحر و»القوات اللبنانية» ولم تحُل دون تفجّر العلاقة بينهما بسبب الخلاف حول الحصص الحكومية والتنافس على مستقبل الزعامة المسيحية ورئاسة الجمهورية المقبلة. أما الوقت فبدأ يداهم الشعب والاقتصاد ومستقبل البلد قبل القوى السياسية مع تفاقم الأزمات الحياتية والاجتماعية الخانقة لا سيما مع إعلان مدير عام مؤسسة الإسكان التوقف عن قبول طلبات لشراء شقق سكنية. وما يزيد الوضع هشاشة وسوءاً هو غياب المهل القانونية والدستورية لتأليف الحكومات ما يجعل الرئيس المكلف حراً طليقاً لا يملك أحدٌ حق إلزامه بموعد محدّد لا رئيس الجمهورية ولا الأكثرية النيابية الجديدة. فهل يستجيب الرئيس سعد الحريري الى الضغط الشعبي والمصلحة الوطنية لمرّة واحدة فقط ويخلع عبء القوات اللبنانية عنه ويشكل حكومة وفق معايير موحّدة ومستندة الى نتائج الانتخابات النيابية؟ أم أنه سيبقى رهن مناورات حلفائه ومقيّداً بحدود ما تطلبه المملكة العربية السعودية؟

ورغم عودة الحريري من إجازة خاصة الى إيطاليا، لم تُسجّل حركة اللقاءات والاتصالات في السراي الحكومي وبيت الوسط يوم أمس، أي جديد على صعيد التأليف، بانتظار أن يبدأ الحريري اليوم خطة تحرّك على اتجاهات عدة في محاولة جدية لإحداث ثغرة في جدار المواقف الصلبة، وبحسب ما علمت «البناء» فإن رئيس حكومة تصريف الأعمال سيزور خلال الساعات المقبلة رئيس المجلس النيابي نبيه بري في عين التينة، للتشاور معه في العقد التي لا تزال تعترض ولادة الحكومة على أن يزور بعدها قصر بعبدا للقاء رئيس الجمهورية وقد يعرض عليه تعديلات على المسودة الحكومية الأخيرة. ونقلت أوساط الحريري عنه لـ»البناء» قلقه من تداعيات التصعيد القواتي العوني على التأليف، واستغرابه عودة الاشتباك بعدما بذل جهوداً على صعيد تهدئة الأمور مع كل من رئيس الجمهورية ورئيس القوات سمير جعجع بهدف تهيئة الأرضية للإسراع في التشكيل»، مؤكدة أن الحريري «مستمر بمساعيه ومهمته حتى بلوغ الهدف وعلى تواصل مع باسيل وجعجع وكل الأطراف. أما الكلام في هذا عن اعتكاف أو استقالة غير وارد وسابق لأوانه»، لكن مصادر «البناء» تؤكد الفتور هو سيّد الموقف في العلاقة بين الحريري وباسيل.

وبحسب مصادر «البناء» فإن العقدة الرئيسية أمام التأليف هي الخلاف بين رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل وجعجع من جهة وبين باسيل والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة ثانية على توزيع الحصص والحقائب، موضحة بأن «انهيار تفاهم معراب الذي كشف عن تقاسم الوزارات والمواقع بينهما وتمسّك الطرفين بموقفهما لن يولد حكومة».

وقال الحريري خلال رعايته في السراي احتفال اطلاق النسخة الثانية من «صيف الابتكار»: «متفائلٌ دائماً ولكن لا تعليق». وأشار رداً على سؤال عن تسريب «تفاهم معراب»، «يتشاجر الاخوة دائماً ومن ثم يتصالحون».

في وقت ينقل مقربون من الحريري انحيازه الى مطالب القوات الحكومية، برز موقف وزير الداخلية نهاد المشنوق المنسجم مع المطلب القواتي فغمز المشنوق من قناة «الوزير جبران باسيل» بقوله: «بعض الناس وصل البخار الى رأسهم والمرحلة تتطلّب الكثير من التواضع والكثير من التفاهم». ودعا من دار الفتوى الى عدم الدخول في جدلٍ رقمي بشأن موضوع الحكومة و»كأنّها تتألّف على الآلة الحاسبة بينما هي مسألة سياسيّة».

وإذ لفتت المصادر الى أن «العقدة السنية ليست أساسية، فيمكن أن تجد طريقها الى الحل لاحقاً إن حُلّت العقدتان المسيحية والدرزية». أشارت مصادر في اللقاء التشاوري السني لـ»البناء» أنه كيف يريد المعنيون بالتأليف توزير النائب طلال أرسلان وتجاهل ثلث النواب السنة؟ ورأى النائب عبد الرحيم مراد أنه لا يجوز أن يحتكر الحريري او المستقبل، التمثيل السني في مجلس الوزراء ، ودعا في حديث تلفزيوني، رئيس الحكومة المكلف الى ان يبادر ويدعو النواب السنة من خارج كتلة المستقبل الى لقاء للوقوف عند رأيهم في تشكيل الحكومة ، منتقداً قيامه بـ»المبادرة تجاه جميع الأفر قاء، ما عدا النواب السنة».

برّي: سنطالب بحجمنا الحقيقي

وبعد أن لوّح بإمكان توجيه دعوة الى جلسة عامة للمجلس النيابي لمناقشة الوضع العام في البلاد ومن ضمنها أسباب عرقلة تشكيل الحكومة، نقل زوار الرئيس بري عنه لـ «البناء» امتعاضه من تأخير تأليف الحكومة ومما آلت اليه الأوضاع وقلقه من الوضع الاقتصادي، ولفت الزوار الى أن «برّي سيتمنى على الحريري خلال لقائه به على اعتماد معايير موحّدة للتأليف واتخاذه قراراً حاسماً في هذا المجال واعتماد نتائج الانتخابات كمعيار أساسي»، مشيرين الى أن رئيس المجلس قدّم كافة التسهيلات للرئيس المكلّف لكن في حال استمرت الأطراف برفع سقوفها سأعمد وحزب الله الى المطالبة بتعديل معادلة الأحجام والمطالبة بحصص تناسب حجمنا الطبيعي».

وحذّر بري من أن تأخير ولادة الحكومة يؤثر على دور وأداء المجلس النيابي، لا سيّما أنه أرجأ جلسة انتخاب اللجان النيابية بانتظار الحكومة، لكنّه سيدعو الى جلسة قريبة لانتخاب اللجان التي تمثل المطبخ الحكومي لجهة دراسة وإعداد مشاريع واقتراحات القوانين ورفعها للهيئة العامة الى جانب جلسة أخرى لمناقشة الوضع العام».

بكركي على خط التهدئة

أما على صعيد جبهة معراب – ميرنا الشالوحي، لا يزال التيار الوطني الحر يلتزم الصمت تجاه ما أقدمت عليه القوات من نشر مضمون تفاهم معراب، مع دخول بكركي على خط التهدئة بين الطرفين، لكن مصادر شككت بنجاح هذه المحاولات في ظل استمرار التصعيد القواتي ضد التيار والذي طال رئيس الجمهورية، حيث أكد النائب السابق أنطوان زهرا بأن نقض باسيل لبند تقاسم الوزارات والمواقع الغدارية والأمنية في الدولة يعني نقضه البنود الأخرى كافة، بما فيها وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية. بينما برزت مساء أمس مرونة من القوات عبر عنها النائب السابق فادي كرم الذي كشف بأن «القوات تحاول إعادة فتح قنوات التواصل مع الوطني الحر وفقاً لمنطق الشراكة»، بينما فسّر مراقبون الصمت العوني وعدم الردّ بأنه تريّث لمعالجة الأزمة قبل الوصول الى نقطة اللاعودة مع القوات.

باسيل: لبنان على وشك التدهور

على صعيد أزمة النازحين، ورغم إعلان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله مبادرة للمساعدة في حلّ أزمة النازحين، برز موقف معارض من الوزير المشنوق الذي أشار الى أن «ما طرحه السيد نصرالله بمسألة النازحين هو تخلٍّ عن القانون وعن الدولة والأمن عام يقوم بعمل ممتاز في الملف والتنسيق بين المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم والحكومة السورية موجود». غير أن الرئيس عون والتيار الوطني الحر يؤيدون خطوة السيد نصرالله وينسقون مع حزب الله في هذا الإطار، وحذر باسيل من انّ «الوضع الاقتصادي في لبنان على وشك التدهور بفعل وجود أعداد كبيرة من النازحين السوريين»، مشيراً بعد لقائه وزير التجارة الهولندية سيغريد كاغ الى «أني أكدت للوزيرة الهولندية أن لبنان استعاد استقراره وأمنه الداخلي، وذلك عزز استقلالنا وسيادتنا». بدورها شدّدت كاغ على انّ «هولندا تبحث عن وسائل لتعزيز التعاون مع لبنان في مجالات مختلفة ونتطلع الى الاستثمار والى تعزيز اقتصاد لبنان، كما أن تركيزنا منصبّ على العودة الآمنة للنازحين السوريين».

2018-07-10
عدد القراءت (828)