مانشيت البناء إيران تستعدّ للتخصيب مجدّداً وترفض أيّ تفاوض جديد... وماكرون لا يرى خروج إيران من الاتفاق عرض أميركي بانسحاب من مزارع شبعا... والتجنيس يتراجع لملف النازحين وكلاهما «أمن عام» الحريري لتعويم صيغة الحكوم

كتب المحرّر السياسي

حسمت إيران خياراتها تجاه مستقبل التفاهم على ملفها النووي، فأعلن مرشد الجمهورية الإسلامية الإمام علي الخامنئي دعوة الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية للبدء بتشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة لتخصيب اليورانيوم، استعداداً لاحتمال انهيار التفاهم بسبب الفشل الأوروبي في حمايته من العقوبات الأميركية، فيما قال رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي إنّ إيران ليست بوارد أيّ تفاوض جديد يطال ملفها النووي، وسارع الأوروبيون بتأكيد تمسّكهم بالتفاهم وتبديد أيّ مخاوف عليه من السقوط، على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي لم يرَ في المواقف الإيرانية سبباً للقلق على مصير التفاهم.

الجهوزية الإيرانية التي تضغط الأوروبيين للإسراع بترتيبات واضحة وفعّالة لحماية حقوق إيران التجارية التي كفلها التفاهم، تواكب مؤشرات لتقدّم مشاريع تسويات تطال بصورة خاصة الانكفاء الأميركي الإسرائيلي من الاستثمار على خيار الحرب في سورية، تشكّل مسودّة العروض التفاوضية الخاصة بجنوب سورية مسرحاً لها، بينما تبدو عملية شدّ الحبال بين الرهان على مزيد من الإنجازات العسكرية والإقرار بالحاجة للبدء بالبحث الجدّي في مسارات الحلّ السياسي، عنوان ما يجري في اليمن.

جاء ما كشفه رئيس مجلس النواب نبيه بري عن عرض تلقاه لبنان من الأميركيين، بأن يشمل التفاوض على ترسيم الحدود البرية والبحرية، وضع مزارع شبعا التي يسلم الأميركي والإسرائيلي بلبنانيتها. وكان تجميد ملف الانسحاب منها منذ صدور القرار الأممي 1701 نتاج رهان مزدوج لواشنطن وتل أبيب على توظيف وضعها المعلق في أيّ مواجهة مقبلة مع المقاومة، فيما تبدو المتغيّرات السورية، وما يجري تداوله حول نشر المراقبين الأممين مجدّداً على حدود الجولان المحتلّ والقبول الإسرائيلي بالتسليم بفشل مشروع الحزام الأمني، والقبول بالتالي باستعادة الجيش السوري انتشاره على الحدود، مصدراً وحيداً لهذا العرض الأميركي الذي لا يمكن إلا أن يكون منسّقاً إسرائيلياً، انطلاقاً من الخشية من تحوّل أيّ مواجهة حول حقوق النفط والغاز إلى سبب لتدمير وتعطيل الاستثمارات الإسرائيلية في هذا المجال كما تضمّنت اعترافات وزير الطاقة الإسرائيلية أمس. وصار السعي لتسوير كيان الاحتلال بسحب فتائل التوتر والتصعيد هو الطريق الوحيد لتفادي المزيد من المخاطر. وما يعنيه ذلك من إنجاز جديد لقدرة الدرع التي تمثلها المقاومة. وقد حذّرت مصادر في قوى الثامن من آذار من توظيف الإنجاز الجديد للمقاومة وسلاحها، باتجاه معاكس بفتح ملف هذا السلاح ما يغري الإسرائيلي والأميركي ويضعف موقع لبنان التفاوضي، كما فعل البعض بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 تحت ضغط المقاومة وسلاحها، فمنحوا «إسرائيل» تعويضاً عن هزيمتها بجعل المقاومة وسلاحها موضوعاً للتجاذبات الداخلية.

على الصعيد الحكومي، يواصل الرئيس المكلف سعد الحريري دراسة ملفاته، وسط سجال داخلي يطال ملفي التجنيس والنازحين، حيث تراجع الأول لحساب تقدّم الثاني بعدما صار الملفان في عهدة الأمن العام ومديره اللواء عباس إبراهيم، الذي أكدت مصادر مطلعة تكليفه من رئيس الجمهورية ملف النازحين بصورة رسمية، كموفد رئاسي إلى الرئاسة السورية، في ظلّ عجز رئيس الحكومة عن تلبية مقتضيات منصبه الدستوري وتولّي هذه المسؤولية مراعاة لعلاقته بالسعودية، بينما لا يبدو وفقاً للمصادر ذاتها، أنّ لدى الرئيس الحريري مسودة أخرى غير صيغة الحكومة الحالية لعرضها كنقطة انطلاق للحكومة الجديدة مقرونة ببعض التعديلات المقترحة على هوامشها، كصيغ معروضة للنقاش والسعي لجمع الملاحظات عليها لصياغة المسودة الفعلية التي يبدأ منها التشكيل الجديد للحكومة العتيدة.

إحياء الوساطة الأميركية في ملف الحدود

فيما أُخرج مرسوم التجنيس من التداول الاعلامي وتم وضعه بعهدة جهاز الأمن العام للتدقيق فيه من الناحية التقنية، طغى النزاع الحدودي بين لبنان و»إسرائيل» على المشهد الداخلي، في ظل الحديث عن إعادة إحياء الوساطة الأميركية للتفاوض بين الجانبين مع تسلّم ديفيد شينكر منصبه رسمياً كمساعد لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، خلفاً للسفير ديفيد ساترفيلد الذي أُحيل الى التقاعد، بحسب المعلومات المتداولة.

وبعد اللقاء الرئاسي الثلاثي في بعبدا أمس، والذي بقيت تفاصيله طي الكتمان لجهة الموقف الرسمي أزاء أي عروض تفاوضية أميركية جديدة محتملة، خرج موقف إسرائيلي مرحّب بالتفاوض ومتفائل بقرب التوصل الى تسوية مع لبنان. وكشف وزير الطاقة «الإسرائيلي» يوفال شتاينتز عن أنّ أفكاراً جديدة طرحت عبر قناة سرية أميركية للوساطة في نزاع بحري بين «إسرائيل» ولبنان بعد توقيع عقود التنقيب عن النفط والغاز. وأضاف: «هناك مجال للتفاؤل الحذر لكن ليس أكثر من ذلك. أتمنى أن نتمكن خلال الشهور المقبلة أو بحلول نهاية العام من التوصّل إلى حل أو على الأقل حلّ جزئي للنزاع… لم تتم تسوية شيء بعد».

وعلمت «البناء» أن «إسرائيل حَمّلت الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة رسالة الى لبنان مضمونها موافقتها على ترسيم الحدود براً وعلى ضوء النتائج تتحدّد موافقتها على ترسيم الحدود بحراً»، لكن مصادر رسمية قالت لـ»البناء» إن «الموقف اللبناني موحّد حتى الآن. وهو التفاوض على ترسيم الحدود دفعة واحدة براً وبحراً، لأن حدود الدولة لا تتجزأ ولا يمكن فصل التفاوض بين الحدودين البرية والبحرية».

وتحاول الولايات المتحدة الضغط على لبنان وإقناعه بوجهة النظر الإسرائيلية بالموافقة على البدء بالتفاوض على البر ثم على البحر لاحقاً».

وأوضحت مصادر عسكرية مطلعة لـ «البناء» أن «لبنان لا يعترف بنقاط أو مناطق متنازع عليها، بل هناك مناطق محتلة ولا يمكن التفاوض عليها. وبالتالي لا يعترف إلا بالحدود الدولية»، مشيرة الى أن «النقاط المتنازع عليها هي 3 فقط وليس 13 التي سلّمت الأمم المتحدة بأنها ضمن الحدود اللبنانية، لذلك الجانب الإسرائيلي يحاول إدخال النقاط الـ13 ضمن دائرة التفاوض علّه يحصل على مساحة إضافية من الأرض اللبنانية التي يحتلها. وبالتالي يشرّع وجوده فيها دولياً». وذكرت المصادر بأن بعض النقاط الـ13 دخلت عليها إسرائيل في عدوان العام 2006 وبقيت فيها».

التجنيس إلى المعالجة التقنية

في غضون ذلك، بقيت تفاعلات مرسوم التجنيس في واجهة الاهتمام الرسمي بعد أن بات محلّ انقسام سياسي في البلد وزيادة الشكوك بمضمونه وتداعياته السلبية على المستوى الوطني، وبعد أن أحال رئيس الجمهورية الملف الى الأمن العام وطلب من مديره العام اللواء عباس إبراهيم التدقيق في الأسماء، طلبت المديرية العامة للأمن العام من المواطنين إبلاغها عن أي معطيات أو معلومات يمتلكونها حول الأسماء الواردة فيه لإجراء اللازم بشأنها.

وفي حين حاول رئيس الحكومة ووزير الداخلية الاحتماء خلف موقف بعبدا والإيحاء بأن رئيس الجمهورية هو المسؤول عن توقيع المرسوم الذي يندرج ضمن صلاحياته، قالت مصادر رئيس الحكومة لـ «البناء» إن «مرسوم التجنيس من صلاحية رئيس الجمهورية»، مشيرة الى أن «توقيعه تمّ بالتشاور بين رئيسي الجمهورية والحكومة فيما تولت وزارة الداخلية مهمة التدقيق في الأسماء من خلال ثلاثة أجهزة قضائية وأمنية محلية ودولية»، ولفتت الى أن «اللواء إبراهيم سيعيد التدقيق في الأسماء ومصير المرسوم مرتبط بالتقرير الذي سيقدّمه إبراهيم الى رئاستي الجمهورية والحكومة ووزارة الداخلية، لكنها استبعدت أن يتم إلغاء المرسوم أو تأجيل تنفيذه ولو تم اكتشاف بعض الأسماء التي لا يحق لها اكتساب الجنسية اللبنانية».

وانتقد رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب السابق وليد جنبلاط عبر «تويتر» المرسوم. وقال: «الأجهزة الأمنية منكبّة على معرفة كيفية حصول التجنيس. كفى استهزاء بعقول الناس. فرئيس الحكومة قالها اليوم إنها صلاحية رئيس الجمهورية، ووزير الخارجية قال إن التجنيس الإفرادي يعزّز الهوية، هويتنا تتعزّز فعلاً بأشخاص من هذه الطينة النادرة. خبّرونا أنكم تصالحتو مع رامي مخلوف، مش أفضل».

إبراهيم للتواصل مع سورية بموافقة الحريري

على صعيد آخر، بدأ لبنان التحرّك دولياً لمعالجة أزمة النازحين السوريين، واستقبل مدير الشؤون السياسية والقنصلية السفير غادي الخوري أمس، ممثلة مكتب المفوّضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان ميراي جيرار وفريق عملها، حيث عرض التحفظات اللبنانية على سياسة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تجاه أزمة النزوح السوري في لبنان، على ضوء عودة الاستقرار إلى العديد من المناطق داخل سورية.

وبناءً على تعليمات الوزير باسيل، سلّم الخوري رسالة موجّهة إلى مكتب المفوضية تتضمن طلب لبنان منها تغيير مقاربتها لكامل موضوع النزوح السوري في لبنان، انطلاقاً من تحسّن الوضع في العديد من المناطق داخل سورية، بما بات يسمح بالعودة الآمنة والكريمة للنازحين. الأمر الذي يضع على عاتق المفوضية مهمة مساعدة الحكومة اللبنانية على تسهيل هذه العودة بناءً على صلاحية ولايتها. كما تضمنت الرسالة طلب الوزارة من المفوضية، أن تبادر خلال مهلة محدّدة، إلى تسليمها خطة توضح الإجراءات التي ستّتخذها لإطلاق مسار عودة النازحين السوريين إلى المناطق الآمنة داخل سورية. لكن جيرار حاولت الهروب من مسؤولياتها مدّعية بأن عمل المفوضية ينحصر بالشقّ الإنساني فقط.

وقالت أوساط مطلعة لـ «البناء» إن «اللواء إبراهيم في صدد التحضير لإعادة دفعة جديدة من النازحين الى سورية يبلغ عددهم حوالي 10 آلاف معظمهم من مخيم عرسال بعد أن كلّف إبراهيم رسمياً من الرئيس عون بالتواصل مع السلطات السورية المعنية، وذلك بعد أن تمكّن الرئيس عون من انتزاع موافقة ضمنية من رئيس الحكومة وفريقه السياسي بضرورة معالجة هذا الملف بالتواصل مع الدولة السورية».

وأمس تردّد بأن عدد من النازحين السوريين القاطنين في بلدة شبعا وباقي قرى العرقوب تلقوا رسائل نصّية عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُطلب بها من الراغبين منهم بتسجيل أسمائهم من أجل العودة إلى بلداتهم وقراهم في كافة المناطق السورية، وذلك خلال شهر تموز المقبل على أن يبدأ تسجيل الأسماء للراغبين منهم يوم غد».

وأكد الرئيس عون أن عودة النازحين الى بلادهم مع عودة الأمن إلى الأراضي السورية نابع من مصلحة لبنان وليس من عنصرية في التعاطي أو غيره، ولم يعد هناك من قدرة لنا على التحمّل. وهذا الأمر سيحظى بالأولوية في المرحلة المقبلة، لأنه جزء من الأعباء الاقتصادية التي نتحملها.

ودعا الوزير باسيل، خلال تلاوة مقرّرات خلوة تكتل «لبنان القوي» في زحلة، الى إدراج موضوع النازحين في البيان الوزاري كأولوية.

وأعلن أن التكتل سيعمل على محاور عدّة، «في موضوع النزوح السوري ستتولّى الأمر لجنة برئاستي، كما أنّ التيار سيكون محرّكاً أساسيّاً للامركزية الإدارية عبر لجنة برئاسة النائب ألان عون، وبالنسبة للاستراتيجية الدفاعية والإرهاب ستتابعهما لجنة برئاسة شامل روكز والإدارة والإصلاح الإداري لجنة برئاسة ميشال معوض، أما الدبلوماسية والانتشار فلجنة برئاستي واغوب بقرادونيان والملف المالي والاقتصادي إبراهيم كنعان. أمّا لجنة مكافحة الفساد فسيتولى رئاستها زياد أسود الذي أمنّا له الغطاء السياسي اللازم للمهمة».

اتصالات التأليف بعيداً عن الأضواء

على صعيد مساعي تأليف الحكومة، لم تسجّل حركة الرئيس المكلّف أي تقدّم يذكر في ظل مشاورات واتصالات يجريها الحريري بعيداً عن الأضواء، وقالت مصادر مطلعة لـ «البناء» إن «الرئيس المكلف بدأ ومنذ عودته من السعودية بمروحة اتصالات ولقاءات بعيداً عن الإعلام في محاولة لاستطلاع مواقف الأطراف كافة، قبل وضع مسودة للحكومة تضم مختلف القوى»، لكنها أشارت الى أن «الحريري يواجه المطالب المضخّمة التي سمعها من الكتل النيابية خلال المداولات في المجلس النيابي والمطالب المضادة لا سيما أن بعض القوى لا زال يتمسك بهذه المطالب، لذلك يتريّث في الإعلان عن مسودة قبيل دراسة هذه المطالب»، لكنها لفتت الى أن لا «يمكن تلبية جميع هذه المطالب ضمن السقف الذي تم التوافق عليه بين الرؤساء الثلاثة». واستبعدت المصادر تأليف الحكومة قبيل عيد الفطر، مشيرة الى أن «أمد التأليف قد يمتدّ الى ما بعد عطلة العيد»، ولفتت الى أن «الرئيس الحريري لم يقابل أي مسؤول سعودي خلال زيارته الى المملكة»، مشيرة الى أن «هدف الزيارة كان للقاء عائلته في الرياض فيما معظم المسؤولين السعوديين كانوا في جدّة».

وأكد الحريري أنه «داعس بنزين على أعلى سرعة» لإنجاز المهمة، ونقل عنه زواره قوله إنه «يعمل على اختيار عناصر تتمتع بالكفاءة، حتى تتمكن الحكومة الجديدة من تولي المسؤوليات، والقيام بالمشاريع وخاصة ما هو مطروح في إطار مؤتمر «سادر» والتي ستكون موضع اهتمام ودرس سواء من قبل الحكومة أو القطاع الخاص».

تشير الاوساط المطلعة على موقف الحريري لـ «البناء» إلى أن الرئيس المكلف لا يوافق رئيس الجمهورية الرأي بتأليف حكومة من 32 وزيراً، لا سيما أن الوزيرين اللذين قد يُضافان الى حكومة الـ30 وزيراً، لن يكونا من حصته. وتشير المصادر الى أن الحريري يرغب بتأليف حكومة من 24 وزيراً، الا أن هذا الطرح لا يحظى بموافقة بعبدا وعين التينة، فرئيس المجلس النيابي أكد مراراً أهمية تأليف حكومة وحدة وطنية جامعة.

وشدّد رئيس مجلس النواب نبيه برّي على ضرورة تشكيل الحكومة الأمس قبل اليوم، مضيفاً: «لم أتدخل في التأليف لأن أحداً لم يطلب منّي». كلام بري جاء خلال حديث تلفزيونيّ وقال: «ما من عقدة حكومية حتى الآن سواء ما يجري بين «القوات اللبنانيّة» و»التيّار الوطني الحرّ»، لافتاً الى انّ تشكيل الحكومة ضروري لأنّ الوضع الاقتصادي دقيق جدّاً. وعن مرسوم التجنيس، لفت بري إلى أنه لم يكن على علم به إلا من الإعلام ولم يتدخل أبدًا في هذا الملف. وكشف برّي عن عرض إسرائيلي وصل إلى لبنان عبر موفد أميركي بشأن ترسيم الحدود برًّا وبحرًا ومن ضمنها مزارع شبعا.

2018-06-06
عدد القراءت (1020)