مانشيت البناء ردّ يمني صاروخي على دور إبن زايد في أحداث صنعاء... ووساطة عُمانية صفقة كوشنير بإلغاء العقوبات مهّدت لانقلاب صالح... والمفاجأة حسم معاكس الحكومة لـ «نأي» يُعيدُها للعمل... ودعوات للردّ على عدوان الجبير

كتب المحرّر السياسي

رغم التطوّرات التي يشهدها الملفان السياسي والعسكري في سورية، سواء على جبهة تقدّم الجيش وحلفائه في ريفي إدلب وحلب بوجه جبهة النصرة، وفي مشاركة الطيران الروسي مع الأكراد في معاركهم ضدّ داعش، وسياسياً بتطورات المساعي لضمان مشاركة سورية في جولة محادثات جنيف غداً، والتي لا تزال تنتظر ما سيصدر عن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا حول بيان الرياض الاستفزازي، سيطر الحدث اليمني على المشهد الإقليمي، بعدما بدا أنّ الأمر يتخطى حدود إشكالات محلية محدودة بين المؤتمر الشعبي وأنصار الله، الحليفين في مواجهة العدوان السعودي على اليمن، وخرج خطاب الرئيس السابق علي عبد الله صالح معلناً مدّ اليد للسعودية وحلفائها والطلاق مع أنصار الله، وجاء الردّ سريعاً ببيان من قوى التحالف الذي تقوده السعودية بالإعلان عن الترحيب بالتعاون مع صالح، وما سبق ذلك وتلاه من إعلان صالح عن انتفاضة دعا المدنيين والعسكريين للمشاركة فيها في صنعاء والمحافظات لتطهير اليمن من أنصار لله، كما قال، ليتّضح أنّ الذي يجري هو انقلاب مدبّر سبقته جولات من التنسيق بين صالح والسعودية قادها ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، وشارك فيها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاريد كوشنير، وصلت إلى تفاهم على قيادة صالح لانقلاب على أنصار الله يُخرجهم من العاصمة، مقابل رفع العقوبات الأميركية والخليجية عن أمواله وأموال أبنائه، ومنحه مكانة في الحلّ السياسي على حساب منصور هادي الذي يتهمه صالح بخيانته، وهو ما كانت واشنطن والرياض ترفضانه في الماضي، بعدما ساندتا منصور هادي، وعزلتا صالح قبل العدوان السعودي على اليمن، كشرط لنجاح سلطة هادي التي سلّمت للسعوديين مقاليد اليمن، وجاءت انتفاضة أنصار الله قبل ثلاث سنوات لتمنح صالح فرصة العودة للحياة السياسية، من بوابة التحالف الذي جمعه بهم، وصمد خلال الحرب المستمرة من ذلك التاريخ.

النتيجة الأكيدة التي ترسم معاملها الوقائع المتقاطعة من مصادر عدة في اليمن، أنّ ما بدا نجاحاً ساحقاً لحساب صالح في الساعات الأولى انقلب خلال ما تلاها تدريجاً لتبدأ التطورات الدراماتيكية بالتتابع في اليوم الثاني، حيث بلغ الأمر مساء أمس بوزراء في حكومة منصور هادي، إلى إطلاق تحذيرات من فشل الانقلاب ما لم يتدخل تحالف السعودية بقوة حاسمة وفاعلة، فشنّت على صنعاء سلسلة غارات جوية سعودية وإماراتية، ردّ عليها الجيش اليمني واللجان الشعبية بصاروخ كروز بعيد المدى على المفاعل النووي في أبو ظبي نفت الإمارات وصوله أراضيها، وأكدته مصادر يمنية متابعة، وربطت به الوساطة العُمانية للوصول لحلّ سياسي يتضمّن إخلاء صالح من اليمن، مقابل وقف المعارك في صنعاء ووقف ملاحقة جماعته ومؤيديه، بينما وضع أنصار الله شرطاً لكلّ حلّ، يقضي بحصر السلاح بالجيش والقوى الأمنية واللجان الشعبية وإنهاء الخصوصية العسكرية التي حافظ عليها صالح خارج هذه العناوين، فيما تتقدّم وحدات الجيش واللجان الشعبية، في كلّ أحياء صنعاء وتسترجع المواقع التي كانت جماعة صالح قد سيطرت عليها في الساعات الأولى.

مصادر سياسية متابعة للحركة السعودية وصفت الانقلاب الفاشل لصالح، بالتكرار المأساوي لتجارب السعودية مع رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، ورئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، بتوريط الحلفاء بحروب انتحارية، أملاً بإمساك أوراق قوة تعوّض الخسائر المتتالية.

لبنانياً، احتفال بالنجاة من التفخيخ السعودي على خلفية المشهد اليمني، وتأكيد على المضيّ لإنهاء الأزمة ببيان يؤكد النأي بالنفس، يصدر عن اجتماع للحكومة لم يحسم موعده، المرجّح الخميس بعد التداول بفرضية عقده غداً واستبعاد ذلك بسبب عدم توجيه الدعوة قبل وقت كافٍ، بينما بقيت الفرضية قائمة لكون الجلسة بلا جدول أعمال وستكون سياسية صرفة، فيما تصاعدت مطالبات مصرفية بصدور موقف حكومي عن الجلسة ذاتها يستنكر أيّ محاولة للنيل من سلامة القطاع المصرفي، وتأكيد دعم الحكومة وتبنّيها لما ورد عن مصرف لبنان رداً على بيان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير من اتهامات للقطاع المصرفي بتبييض الأموال، في سياق حملته لتشويه سمعة حزب الله.

الصيغة مزيج بين خطاب القَسَم والبيان الوزاري

مع عودة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من روما يوم الجمعة الماضي ورئيس الحكومة سعد الحريري من فرنسا، يوم أول أمس، سيبدأ العدّ التنازلي لمآل الاتصالات وطبيعة التفاهمات حيال إنعاش التسوية.

جلسة الثلاثاء لمّا تتأكد

حتى الساعة لم تتضح الصيغة التي ستعتمد، فما يتم التداول به لا يزال في سياق الأفكار المطروحة، التي لم تُكتب في نص، بحسب ما تؤكد مصادر قصر بعبدا لـ «البناء»، مرجّحة أن الصيغة التي ستؤكد النأي بالنفس ستكون مزيجاً من البيان الوزاري وخطاب القَسَم لجهة تأكيد احترام ميثاق جامعة الدول العربية وبشكل خاص المادة الثامنة منه، مع اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي، حفاظاً على الوطن واحة سلام واستقرار وتلاقٍ، وتعزيز العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة والالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية كافة، بما فيها قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701. ولفتت المصادر إلى أن ما يُحكى عن جلسة يوم الثلاثاء لا يزال في إطار الأقاويل، خاصة أن الرئيس الحريري لم يوجه الدعوات للوزراء لجلسة يوم الثلاثاء.

لا تعديل حكومي

وتشير مصادر وزارية في حزب الله لـ «البناء» إلى أنها لم تتبلغ شيئاً بعد عن موعد جلسة مجلس الوزراء، وأن لا معطيات كافية لديها لما رست عليه المشاورات حيال الصيغة التي ستعتمد، واستبعدت المصادر «أي تعديل حكومي لقرب موعد الانتخابات النيابية».

وتقول مصادر مطلعة لـ «البناء» بغض النظر ما إذا كانت الصيغة مزيجاً نظرياً بين خطاب القسم والبيان الوزاري، لكن المهم أن الصيغة تتحدّث عن النأي بالنفس وتحيط بهذه العبارة ليس فقط بما تريده السعودية بل ربطاً بما يريده لبنان، فتصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يوم أول أمس، أن حزب الله «استخدم البنوك اللبنانية لتهريب الأموال»، يثبت أن النأي بالنفس ليس مسألة قاصرة على حزب الله، كما جرى توصيف الأمر في المرحلة الماضية. وتابعت المصادر «من منطلق التعاطف مع الرئيس سعد الحريري ورغبة بتسهيل مهمته وضخّها بالحيوية، فإن الجهد انصبّ عن صيغة تحفظ لرئيس الحكومة ماء وجهه تجاه الرياض، مع تأكيد المصادر أن الصيغة ستكون متوازية ومتوازنة. وتضيف المصادر: حجم الاشتباك لن يسمح بأي محددات واضحة من الممكن الركون اليها، فكلام الجبير عن القطاع المصرفي اللبناني لا يعني استهداف حزب الله فقط إنما استهداف شامل للدولة اللبنانية.

استقرار لبنان لا يُريح السعودية

وأشارت مصادر وزارية لـ «البناء» إلى أن «تصريح الجبير يعبر عن عدوانية حيال لبنان، وموقفه ليس جديداً، فالرياض تعيش أزمة في المنطقة وما تقوم به يصب في خانة الافتراء والتحريض على لبنان، لا سيما أن السعوديين يدركون قبل غيرهم أن هذه الاتهامات غير صحيحة». وتابعت المصادر يبدو «أن السعودية التي فشلت في تهديد استقرار لبنان بفرضها على الرئيس الحريري تقديم استقالته، تحاول مجدداً بطرق وأساليب أخرى، تهديد هذا الاستقرار وكلام الجبير يندرج في هذا السياق. فاستقرار لبنان لا يريحها، لكن القوى السياسية الأساسية في لبنان التي نجحت في الآونة الأخيرة بتجنيب لبنان الأخطار ستتصدى للمحاولات السعودية كافة، ولن تسمح بأي اهتزاز».

وفي السياق، نفى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ما جاء على لسان الجبير عن تهريب أموال حزب الله من خلال المصارف اللبنانية، ورأى أن الأجواء السياسية هي التي تخلق هذا النوع من الملاحظات أو التصاريح السعودية. وشدّد على أن القطاع المصرفي اللبناني يكتسب الشرعية الدولية بما يخصّ التعاطي المصرفي والمالي. ولفت الى ان مصرف لبنان أصدر من سنوات عدة تعميمًا بتطبيق قوانين الدول عندما تتعامل بعملتها أو مع مصارف فيها والقطاع المصرفي في لبنان ملتزم بتطبيقه. وشدّد على أن «حزب الله» لا يقوم بأي عمليات من خلال المصارف اللبنانية، وهناك تعميم واضح أقرّ في 2016 والمصارف تحترمه.

وكان لافتاً رفض رئيس حزب «القوات» سمير جعجع كلام وزير الخارجية السعودي عن المصارف، مؤكداً أن «المصارف اللبنانية تتقيد بشكل تام بتعليمات المصرف المركزي الذي هو على تنسيق تام مع وزارة الخزانة الأميركية وأخذ على عاتقه تطبيق المعايير الدولية والأنظمة المصرفية الدولية، ولا أعتقد أن هناك أموالاً لـ»حزب الله» تمر من خلال النظام المصرفي اللبناني».

وتعليقاً على السياسة السعودية لفت النائب حسن فضل الله إلى «أنّهم أرادوا أن يخربوا لبنان ويحدثوا فيه فتنة بعدما رأوه آمناً ومستقراً وثابتاً، فلجأوا إلى محاولة انقلابية على مستوى الدولة والحكومة والوضع السياسي، وجرّبوا ما جرّبوا من هذه المحاولة الانقلابية حتى تهتز الأرض تحت أقدام الجيش والشعب والمقاومة من البوابة السياسية، ولكن مكرهم ردّ إلى نحورهم، وفشل هذا المشروع بفضل هذا الوعي الذي ظهر عالياً عند غالبية اللبنانيين، وعليه فإننا نسجل أن الإدارة الحكيمة للرئيس العماد ميشال عون، والذي يكتشف اللبنانيون اليوم أهمية أن يكون في قصر بعبدا رئيسٌ مثله، إلى جانب التضامن والمؤازرة من رئيس المجلس النيابي نبيه بري والقوى المخلصة أُحبط هذا المشروع التخريبي وهذه الفتنة التي كانت تحضر للبنان. وعندما فشلوا في هذه الفتنة، بدأوا اليوم في محاولة استهداف بعض القطاعات الحيوية مثل القطاع المصرفي، لأنهم لم يستطيعوا أن ينفذوا إلى الداخل اللبناني».

حسابات الحريري الجديدة عشية الانتخابات

وفي سياق آخر يتواصل الحديث عن توجّه الرئيس الحريري لإعادة ترتيب بيته الداخلي المستقبلي لجهة إبعاد كتبة التقارير على غرار الدكتور رضوان السيد من دائرة الرئيس فؤاد السنيورة، لا سيما أن السيد لم يعُد عضواً في كتلة المستقبل منذ العام 2016. وبينما يرأس الرئيس الحريري غداً الثلاثاء اجتماع كتلة المستقبل في بيت الوسط، أفادت المعلومات أن الحريري أبلغ كل من يعنيه الأمر ضرورة الالتزام بمقررات الكتلة، قائلاً: «من يتذمّر من مواقفي وسياستي يمكنه أن يجد مكاناً آخر له خارج الكتلة». وفي السياق، أشار الوزير غطاس خوري مساء امس، الى أنّ من الطبيعي أن يراجع الرئيس الحريري حساباته وفريق عمله، وخاصة على أبواب الانتخابات، فهذه المراجعة اصبحت ضرورية أكثر بعد الأزمة الأخيرة. وأضاف: «هناك تياران حالياً في تيار المستقبل.. التيار الأول يمثله الرئيس سعد الحريري والتيار الثاني هم الذين يعارضون الرئيس سعد الحريري».

وأوضح النائب وائل أبو فاعور أن «لقاء النائب وليد جنبلاط مع أمين سر السيد بهاء الحريري وطرحه استبدال الرئيس الحريري، جاء ضمن إطار مبادرة شخصية، ولم يكن هناك أي تدخل من المملكة العربية السعودية». وقال: «البيان الوزاري المقبل سيكون مؤشراً للمرحلة المقبلة للاتفاق على مسار سياسي لا يعرّض لبنان للأزمة عينها التي مررنا بها». وشبه السياسة اللبنانية بـ «الرمال المتحركة». وعن وساطة محتملة للتقدمي الاشتراكي بين القوات و «المستقبل»، قال: «لا يريدون أية وساطة على رغم أن ما حصل أخيراً أدخل بعض البرودة».

2017-12-04
عدد القراءت (740)