مانشيت البناء الأسد واثق من الوضعين السياسي والعسكري ويدعو الخارج للمراجعة عملية القدس ترسم مستقبل «إسرائيل» بعد حرب سورية..

كتب المحرّر السياسي

يبدو العالم والمنطقة على موعد مع مراصد الزلازل لتلقي الإشارات عن حجم التغييرات المقبلة، بعد نصر حلب ليس كما قبله. هي المعادلة التي صاغها الرئيس السوري بشار الأسد، وترجمها الموقف التركي الرسمي بالتمهيد للانسحاب من العراق بعد طول عناد، والسبب اليوم موجود أمس، وهو أنّ الأسباب يمكن أن تنتفي بضمان أمن تركيا من الجانب العراقي، وهو ما تعهّدته السلطات العراقية وما كانت تتعهّده من قبل، لكن قبل حلب الرهان التركي مختلف، وبعد حلب الكلام التركي عن العراق يصلح عن سورية غداً، فكلّ شيء يقول إنّ الثقة التي يتحدث من خلالها الرئيس السوري عن الوضعين السياسي والعسكري ليست إلا بعضاً مما يملكه من معطيات حول حجم وطبيعة التفاهمات التي تقوم بينه وبين حلفائه الروسي والإيراني، وحزب الله بصورة خاصة، وقد أظهر اختيار معارك وادي بردى سقوط الرهان على تظهير خلافات بين الحلفاء تصلح للمراهنات بعدما تراجعت المعارضة السورية الرسمية المحسوبة على السعودية وتركيا عن تحليلاتها حول خلافات إيرانية روسية، لتتحدث عن مشاركة روسية في تغطية قرار الحرب ولم تنف موسكو قناعتها بأن وجود جبهة النصرة يسقط مظلة الهدنة عن وادي بردى. وبدا أن التنسيق بين الحلفاء في أعلى مراتبه, وأن الخيارات السياسية والعسكرية قد درست جيداً ورسمت في التعاطي معها خريطة طريق كافية لتغطية المرحلة المقبلة، من الهدنة إلى الحوار السياسي وصولاً لمواصلة الحرب على الإرهاب وتشكيل حلف دولي إقليمي لخوضها، وكلمة السر هنا هي الشرعية الدستورية للدولة السورية، الشرعية التي ستمنح للدول والقوى المشاركة برضا الدولة السورية، والمنزوعة عن الذين لا يحظون بغطاء هذه الشرعية. هذا يعني تركيا ويعني حزب الله بصورة متعاكسة.

في قلب هذه الصورة يبدو التغيير في دول الغرب مؤاتياً لمحور المقاومة بالعودة لثنائية الحرب على الإرهاب واحترام الإطار السيادي للدول. وهو ما تبشر به التغييرات المقبلة في كل من واشنطن وباريس اللاعبين الأهم غربياً في المنطقة، لتبدو «إسرائيل» وحدها على ضفة التلقي السلبي للنتائج. ففلسطين كما قال الأمين العام لحزب الله ستسعيد بريق الحضور وألق التقدم إلى الواجهة كلما تعافت سورية وتخففت قوى المقاومة من أعباء الحرب التي استهدفتها وجاءت علمية القدس البطولية لترسم صورة عن المستقبل القاتم الذي ينتظر «إسرائيل» في مرحلة ما بعد تعافي سورية، ولم تتجاوب مع الدعوات لإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان.

بينما تحاول تركيا المزاوجة بين حضور عسكري وسياسي وتضبط إيقاعها على الخطوط الحمر التي يرسمها مستقبل علاقتها بروسيا بصورة خاصة، وعدم الدخول في مواجهات بلا أفق في ظل وضع دولي غير واضح المعالم وغير مستقر بتوازناته، وخطر متنامٍ للحرب على الإرهاب ومترتباتها التي تدق باب الأمن التركي بقوة نزيف لا يتوقف، تبدو السعودية أمام فرصة هامة للتأقلم مع وضع المنطقة المتغير مع الزيارة الرئاسية للعماد ميشال عون إلى الرياض مانحاً لها أولى زياراته الخارجية، ويبدو متوقفاً على حسن التلقي السعودي لهذه المبادرة كفرصة لتغيير النظرة إلى لبنان من منصة للإزعاج وتصفية الحسابات يمارسها تيار المستقبل بوجه خصوم السعودية في سورية وإيران وحزب الله، بلسان رئيسه وقد صار رئيساً للحكومة، إلى جسر للحوار يقوده رئيس الجمهورية الحليف الموثوق لسورية وإيران وحزب الله المنفتح على السعودية، القادر على تقديم لبنان منصة حوار ومرونة سياسية وانفتاح على المحاور الإقليمية للتجسير بينها وإنضاج التسويات، وفي لبنان القوة التي يعتبرها السعوديون مصدر التفوق الإيراني في معادلات المنطقة من سورية إلى العراق واليمن، وهي حزب الله، الحليف الأقرب للعماد عون، والذي ليس بعيداً عن رغبة العماد الرئيس بتوظيف فرصته الرئاسية لاستعادة دور لبنان الحواري بين دول المنطقة وقادتها، في زمن تبدو التسويات قدراً للذين قرروا المضي بالحرب بلا رجعة وخذلتهم رياح عاكست سفنهم، لكن جاءهم قارب نجاة إن أحسنوا النظر والقراءة.

هل تُفرج السعودية عن المليارات؟

مع وصول الرئيس ميشال عون الى المملكة العربية السعودية، يكون قد أوفى بوعده الذي قطعه أثناء لقائه الوفد السعودي الذي زاره في بعبدا لتقديم التهاني بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، وقد حمل الوفد حينها لعون دعوة من الملك سلمان بن عبد العزيز لزيارة المملكة، لكن السؤال، هل تفي «مملكة الخير» المثقلة بأزماتها المالية والسياسية بوعودها للبنان وتُفرج عن هبة الأربعة مليارات المخصصة للجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية؟

قد يبدو مشهد الطائرة الرئاسية التي أقلّت عون، وهي تحطّ في مطار الرياض ومراسم استقباله ثم دخوله مقرّ الإقامة في قصر الملك سعود، ما يخالف في أحد جوانبه قواعد المنطق السياسي الذي ساد في لبنان طيلة المرحلة الماضية زمن الانقسام الحاد بين فريقي 8 و14 آذار، حيث كان «الجنرال» أشد المعارضين لمشاريع المملكة في لبنان وللحريرية السياسية، لكن ضرورات العهد الجديد ومقتضيات التسوية السياسية تفرضان طي المرحلة الماضية وقلب صفحة جديدة.

الزيارة الرئاسية للسعودية بعد التوتر الذي شاب العلاقات بين البلدين طيلة العامين الماضيين، ستكسر جليد العلاقات بين لبنان والدول الخليجية وتضخّ الدم السياسي في شرايين العلاقات التجارية والسياحية، وسيتمكّن عون من إعادة إحياء هبة الأربعة مليارات، فالسعودية ستردّ التحية لعون لكونه اختارها أول دولة في لائحة زياراته الخارجية، لكن شتان ما بين الوعود والتنفيذ المرهون بعناصر ثلاثة لم تتوفر الى الآن:

– تفاقم الأزمة الاقتصادية في السعودية لأسباب عدة منها انخفاض أسعار النفط عالمياً، وكلفة الحرب على اليمن الباهظة وتمويل التنظيمات الإرهابية في سورية والمنطقة. وقد أعلن وزير المالية السعودية في بيان منذ أيام بأن دخل العام 2017 لم يف من احتياجات الدولة أكثر من تأمين الرواتب والمنشآت في حين أن العجز في الخزينة وصل الى 130 مليار ريال»، وبالتالي من أين ستؤمن السعودية 4 مليارات دولار للبنان؟ وبالتالي الوعد سيُقطع، لكن التنفيذ مؤجّل.

– الشروط الفرنسية و«الإسرائيلية» على لبنان لتأمين السلاح المطلوب لم تتغيّر.

– المطالب الضمنية التي تضعها السعودية على لبنان وعلى الجيش لجهة وجهة استعمال السلاح وأنواعه لم تتبدّل، علماً أنه قبل تجميد الهبة، لم تكن هذه المسائل الأساسية التي تتعلّق بالتنفيذ قد حُسمت.

وقالت مصادر عسكرية لـ«البناء» إن «لبنان الذي يعاني من أزمات مالية واقتصادية وعجز في الخزينة وديون عامة لا يستطيع تأمين الأموال اللازمة لتسليح نفسه من أمواله الخزينة الخاصة الآن، ويحتاج الى تسليح من دول خارجية لا سيما منظومة دفاع جوي لإغلاق الأجواء اللبنانية بوجه خرق طائرات العدو «الإسرائيلي» ومنظومة دفاع بحري لحماية الشواطئ وفك الحصار البحري ومنظومة صواريخ بعيدة المدى لتحقيق التوازن الناري مع العدو ويحتاج أيضاً لمواجهة الإرهاب منظومة إلكترونية للتعقب والسيطرة والمراقبة وطائرات حديثة»، موضحة أن لبنان ليس بحاجة لتجهيزات وتسليح تفوق مبلغ 4 مليارات دولار».

وعن الهبة الإيرانية، أشارت المصادر الى أن «إيران عرضت على لبنان مراراً تزويده بالأسلحة اللازمة التي يطلبها عندما تقرّر الدولة طلب ذلك، لكن لم تحدّد السلطات الإيرانية سقفاً للتسليح لا كماً ولا نوعاً وفي المقابل لم تطلب الحكومة اللبنانية ذلك حتى الساعة، كما لم يقدّم الجيش اللبناني لائحة احتياجاته الى المسؤولين الإيرانيين الذين زاروا لبنان».

واستبعدت مصادر سياسية أن تفرج السلطات السعودية عن الهبة المجمّدة، متوقعة لـ«البناء» أن «تحقق زيارة عون كحد أقصى هدفين: الأول سياحي حيث يصدر الديوان الملكي بياناً الى السعوديين والخليجيين للتوجّه الى لبنان خلال موسم السياحة وتفعيل وتطوير العلاقات التجارية. والهدف الآخر معيشي يتعلق باعتبار السلطات السعودية في بيان بأن المملكة هي البلد الثاني للعاملين اللبنانيين وتسوية أوضاع المبعَدين قسراً خلال فترة الإجراءات العقابية التي اتخذتها السعودية بحق لبنان».

لقاء عون ـ سلمان اليوم

وكان رئيس الجمهورية قد وصل الى الرياض في إطار زيارة يقوم بها الى المملكة تلبية لدعوة رسمية من الملك السعودي، ورافقه وفد ضمّ الوزراء: جبران باسيل، مروان حمادة، علي حسن خليل، يعقوب الصراف، نهاد المشنوق، بيار رفول، ملحم الرياشي ورائد خوري، إضافة الى وفد إداري وإعلامي وأمني، وكان في استقبال عون لدى وصوله الى مطار الملك خالد الدولي، أمير الرياض فيصل بن بندر بن عبد العزيز، وكبار المسؤولين في الرياض وأركان السفارة اللبنانية قبل أن يتوجّه الى مقر الإقامة في قصر الملك سعود.

ومن المرتقَب أن يعقد عون اليوم لقاءً مع الملك سلمان ثم ولي ولي العهد محمّد بن سلمان على أن يُقام غداً استقبال خاص بالجالية اللبنانية، وبعده عشاء ستحضره شخصيات اقتصادية لبنانية وسعودية وخليجية، تتخلله كلمة لعون على أن ينتقل والوفد المرافق من السعودية الى قطر الأربعاء المقبل، ملبياً دعوة أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

وأكد عون من السعودية في حديث تلفزيوني أن «الحروب الداخلية لا تنتهي إلا بحلٍّ سياسي وجميعنا بحاجة إلى التعاون لمحاربة الإرهاب»، مشيراً الى «أنني في الرياض لأبدّد الالتباسات حاملاً المودة والصداقة للشعب السعودي».

وكان العماد عون قد استقبل قبل سفره وفداً نيابياً فرنسياً آتياً من سورية، برئاسة النائب تييري مارياني الذي أطلعه على أهداف جولة الوفد في عدد من دول المنطقة. ورأى رئيس الجمهورية أن «لبنان نجح في تجنّب انعكاسات الأزمة السورية عليه، رغم بعض الآثار الجانبية، خصوصاً مع بدايتها»، وأكد أن «لبنان يحفظ حدوده مع سورية والقوى الأمنية تعمل على منع تسرّب الإرهابيين الى الداخل اللبناني»، لافتاً الى أن «التدابير الاستباقية التي تقوم بها الأجهزة المختصة تحول دون قيام هؤلاء بتحقيق أهدافهم». أضاف: «نحن نتطلع الى حل سياسي للأزمة السورية وعودة النازحين السوريين الى ديارهم»، مشيراً الى «وجود مناطق آمنة في سورية في الوقت الراهن ومن المناسب إطلاق العمل على عودتهم منذ الآن».

جلسة حكومية غداً

في غضون ذلك، يعقد مجلس الوزراء جلسة يرأسها للمرة الأولى في العهد الجديد، الرئيس سعد الحريري الأربعاء في السراي الحكومي وعلى جدول أعماله 11 بنداً أرجئ معظمها من الجلسة السابقة.

ومن المتوقع، بحسب ما علمت «البناء» أن يتمّ إقرار النظام المالي من مرسوم هيئة إدارة قطاع البترول، بعد أن ناقشته اللجنة الوزارية المكلفة متابعته في اجتماعها الخميس الماضي.

وفي السياق، عُقد في وزارة المالية أمس، اجتماع ضمّ وزير المالية علي حسن خليل ووزير الطاقة سيزار أبي خليل، بحضور أعضاء هيئة إدارة قطاع البترول وفريق عمل الوزير خليل. وقد نوقشت في الاجتماع القوانين والمراسيم المتعلّقة بالقطاع النفطي للإسراع في إقرارها بعد الاتفاق على البنود بين الوزارتين.

وبعد توقيع الرئيس عون مرسوماً يقضي بفتح دورة استثنائية للبرلمان، يترأس رئيس المجلس النيابي نبيه بري الخميس المقبل، اجتماعاً لهيئة مكتب المجلس لبحث جدول أعمال الجلسة التشريعية المرتقبة وشؤوناً مجلسية.

2017-01-10
عدد القراءت (3420)