مانشيت البناء كيري مودِّعاً لا منافسة مع روسيا وتركيا... وأنقرة تخوض معركة أوراقها بري ينوّه بملف النفط... وقانصو لقانون النسبية... والسائقون يثقون بعون

كتب المحرّر السياسي

مع المؤتمر الصحافي الوداعي لوزير الخارجية الأميركية جون كيري، لا تستطيع واشنطن أن تنافس روسيا وتركيا على المساعي للتسوية في سورية، أو لا ترغب، يصير أمراً شكلياً، حيث يصير الانتظار مقيماً في تسويات الملفات الكبرى لحين تبلور السياسات التي ستعتمدها إدارة الرئيس دونالد ترامب، ما يعني ابتعاداً عن أوهام إنجازات سياسية قبل الربيع، وتعبئة الوقت بخطط ترتيب البيت الداخلي وتثمير الإنجازات السابقة وتحصين الجبهات وتحقيق الإنجازات الميدانية. وهذا ما تبدو القوى الفاعلة في محور المقاومة مستنفرة لإنجازه بعيداً عن الأوهام ومن دون مغادرة السجالات حيث يجب، خصوصاً على الجبهة التركية المربَكة قبل تسلّم ترامب بملفي الأكراد والنصرة، وحربها الصعبة مع داعش، وقضية الداعية فتح الله غولن المستمرّة من أيام الرئيس باراك أوباما.

تحاول تركيا ترتيب أوراقها لملاقاة إدارة ترامب، والتلويح بقدرتها على الانتقال إلى القطار الروسي ما لم يرق لها القطار الأميركي الجديد والمقعد المعروض عليها فيه. وهي تخوض محاولة الإبقاء على أوراقها صالحة للصرف سواء لدى روسيا أو لدى أميركا في التوقيت المقبل وليس الآن، وتخوض حرب الدفاع عن هذه الأوراق بفتح جبهات استباقية من نوع الحديث عن أزمة روسية إيرانية، أو مستقبل حزب الله في سورية، او اتهام الدولة السورية وحلفائها بانتهاك الهدنة، بينما ينصرف أطراف محور المقاومة لتحسين الوضع الأمني في المحافظات السورية وحسم الجيوب المتبقية سبباً للإرباك، بدءاً من حل بات قريباً في عين الفيجة لأزمة المياه الدمشقية، وترتيب للعلاقات العراقية السورية والتعاون في مواجهة داعش، وفي التعامل مع التدخلات التركية.

لبنانياً، لم تمر قرارات الحكومة النفطية من دون انتقادات، خصوصاً من النائب وليد جنبلاط، لكنها بقيت إنجازاً يسجل للحكومة، دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري للتنويه بها، خصوصاً بالبدء بالمناطق الجنوبية قطعاً للعبث «الإسرائيلي»، وفقاً لما نقله عنه رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الوزير علي قانصو الذي أعاد تأكيد أن الامتحان الأهم يبقى قانون الانتخاب مؤكداً النسبية كنظام انتخابي يوفر صحة التمثيل.

ملف الميكانيك المتمثل بحسم مستقبل عقود شركات المعاينة للسيارات ومتمّماته، ومطالبة نقابات النقل البري باستعادة الدولة للمعاينة وتوفير مبالغ طائلة للخزينة، كان على طاولة اللجنة الوزارية برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري، من دون الوصول لقرار حاسم، بينما النقابات تؤكد ثقتها بوعد رئيس الجمهورية لها، وفقاً لوساطة المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم.

اللواء إبراهيم الذي يتولى ملفات متعددة في القضايا الساخنة أو الخلافية ومساعي التسويات، لا يزال باب الأمل لأهالي العسكريين المخطوفين الذين استقبلوه في نقطة تجمعهم في ساحة رياض الصلح معايداً، وقد تلقوا منه جرعة تفاؤل بوجود إشارات واعدة في الملف ووجود وسطاء جديين موضع ثقة.

قانصو: لإنجاز قانون الانتخاب

بعد الجلسة النوعية والمنتجة لمجلس الوزراء وفي ظل مناخ التوافق السياسي السائد، استمرّت عملية استعادة الدولة هيبتها والحيوية إلى مؤسساتها بعد فراغ أصاب مفاصلها الأساسية بالشل والتعطيل، ورغم الاعتراضات التي خرجت من داخل مجلس الوزراء وخارجه حيال بعض القرارات التي اتخذتها الحكومة، لا سيما المراسيم النفطية وإدراج مليار و500 مليون ليرة تحت بند نفقات سرية لموازنة رئاسة مجلس الوزراء، غير أن العهد قد انطلق على عجلة الحكومة التي شغلت محركاتها الى الحد الأقصى لتفريغ الملفات المكدسة في أدراج وزراء الحكومات المتعاقبة واتخاذ القرارات بشأنها إذا تأمن التوافق أو إحالتها الى لجان وزارية إذا تعذر ذلك.

الحكومة التي تجمع بداخلها التناقضات السياسية وورثت الملفات المتفجرة، تجد نفسها اليوم في سباق مع الوقت وفي مواجهة مع مطالب المواطنين الحياتية والحاجات الاقتصادية فضلاً عن التعامل مع استحقاق الانتخابات النيابية وإقرار قانون جديد للانتخابات يحقّق طموحات اللبنانيين وآمالهم.

وأمل رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الوزير علي قانصو أن يتكثف العمل من أجل إنجاز قانون الانتخاب في أقرب وقت وعدم المماطلة، وإفساح المجال للبعض بالإبقاء على قانون الستين كأمر واقع. وأكد أن «الصيغة الأمثل للقانون الجديد يجب أن تكون النسبية التي تحقق التمثيل الصحيح وتساهم في تجديد الحياة السياسية».

وقال قانصو بعد زيارته رئيس مجلس النواب نبيه بري: «تناولت مع الرئيس بري أجواء جلسة مجلس الوزراء، حيث أبدى دولته ارتياحه لنتائج الجلسة بصورة عامة، خصوصاً لجهة إقرار مرسومَي النفط»، مؤكداً «ضرورة متابعة هذا المسار بما يتصل بالمناقصات والتنقيب عن النفط وغيرهما». ونوّه بـ«توجّه الحكومة في إعطاء الأولوية إلى البلوكات القريبة من الحدود مع فلسطين المحتلة من أجل التصدي للمطامع الإسرائيلية ووضع حدّ لها».

ومع مواظبة رئيس الجمهورية على ترؤس جلسات الحكومة لمنح الزخم وإضفاء الجدية وتسريع وتيرة اتخاذ القرارات وإيجاد الحلول للمشاكل المزمنة والمستفحلة والتحسّب للأخطار الأمنية الداهمة، ترأس عون أمس اجتماعاً للمجلس الأعلى للدفاع في قصر بعبدا، وكان لافتاً حضور المدير العام لأمن الدولة اللواء جورج قرعة بعد استثنائه من اجتماعات المجلس في فترة الحكومة الماضية نتيجة الخلاف مع نائبه العميد محمد الطفيلي الذي أحيل الى التقاعد. وتحدّثت مصادر وزارية لـ«البناء» عن «اتجاه لحل هذا الملف ووضعه في عهدة رئيس الجمهورية الذي وعد بمعالجته مع المعنيين»، متوقعة أن يُفرج مجلس الوزراء عن الأموال المخصصة لهذا الجهاز وتحديد صلاحياته.

الاجتماع الذي حضره رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري والوزراء الأعضاء وقادة الأجهزة الأمنية وعدد من المسؤولين القضائيين بقيت قراراته سرية.

وأكد عون أمام المجتمعين أن «التنسيق بين القوى العسكرية والأجهزة الأمنية ولا سيما لجهة تبادل المعلومات، يضمن نجاح الإجراءات التي تتخذها هذه القوى للمحافظة على الاستقرار والأمن في البلاد». وأشار الى أن «الأخطار التي تهدد لبنان مصدرها دولة عدوة معلنة هي إسرائيل، وعدو ثانٍ هو الإرهاب الذي لا دين له ولا قواعد، ومسؤوليتنا أن نواجه هذين العدوين للحفاظ على أمن البلاد وسلامة أهلها والمقيمين فيها».

وعشية الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية الى السعودية وبعض دول الخليج، أكد القائم بأعمال السفارة السعودية في لبنان وليد البخاري أن زيارة الرئيس عون الى السعودية سيكون لها ردود إيجابية على العلاقات اللبنانية – السعودية»، مشدداً على أن بلاده لم ولن تتخلى عن لبنان.

قطار النفط على السكة

وبعد أن وضع قطار النفط على السكة الصحيحة عقب إقرار مرسومَي النفط والغاز، أعلن وزير الطاقة سيزار أبي خليل في مؤتمر صحافي أنه «سيتم فتح البلوكات وفقاً للدراسة التي تقوم بها هيئة إدارة قطاع البترول ووفق مستلزمات الدولة اللبنانية». وأشار إلى أن «عدد البلوكات التي سوف يتم عرضها على المزايدة هو 5»، وأكد أن «الدولة اللبنانية أعلنت حدودها البحرية بموجب مرسوم ونحن متمسكون بكل سنتمتر مربع من مياهنا البحرية ومتعاونون مع الجهات المعنية لما فيه استعادة حقنا وسيتم تحديد إنتاج النفط ضمن خريطة الطريق التي سنعلن عنها».

وأشارت مصادر نيابية مطلعة على الملف لـ«البناء» الى ضرورة إنشاء وزارة للنفط مستقلة عن وزارة الطاقة وإيلائها تنظيم كامل الملف النفطي لا أن يبقى في عهدة الهيئة العليا للإشراف على النفط التي لا تضمّ أصحاب الاختصاص ومؤلفة من ستة أعضاء يتقاضى كل منهم 22 ألف دولار شهرياً منذ أربع سنوات». واستغربت المصادر التسرع في إصدار مراسيم النفط قبل إنشاء هذه الوزارة التي تنظم عملية الاستثمار، من تحديد كميات النفط في البحر وفي البر في القاع وشتورا ثم إجراء التلزيمات مع الشركات التي ستتعهد التنقيب ثم بيع النفط والغاز. وهذه الوزارة تحتاج الى اختصاصيين في الضرائب والقانون الدولي والحفر الجيوفيزيائي واستكشاف المناجم وإنشاء المصافي في طرابلس والزهراني وتأمين خطوط النقل من البحر الى البر، كما تتولى الوزارة الإشراف على الدراسات التي تجريها الشركات للأحواض النفطية ومساحتها وكمية الإنتاج والتكاليف».

وإذ وصل عدد الشركات التي تقدّمت للتلزيم الى 42 شركة، أوضحت المصادر أن مجلس الوزراء هو صاحب الصلاحية في بتّ العقود وليس الوزير المختص، واستغربت إنشاء الصندوق السيادي، موضحة أن العائدات النفطية تعود الى خزينة الدولة أي الى وزارة المالية ومن ثم تصرف من خلال الموازنة العامة على المشاريع الاستثمارية».

ونشر رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط على تويتر صورة وأرفقها بالعبارة التالية: «بعد جلسة الأمس ما العمل؟ إن خيبة الأمل كبيرة لكن ممنوع الاستسلام».

وأملت كتلة «الوفاء للمقاومة» خلال اجتماعها الدوري أن «تستند مقررات مجلس الوزراء الى المعايير الدستورية والى تقديرات موضوعية بعيداً عن الاستنسابية والارتجال»، وجددت قناعتها بأن «الاصلاح النوعي المأمول لا يمكن أن يتحقق إلا عبر اعتماد قانون انتخاب يحقق المناصفة ويعتمد النسبية الكاملة مع الدائرة الواحدة أو الدوائر الموسّعة، ويراعي الهواجس المفهومة لدى بعض المكوّنات». ودعت الكتلة القضاء اللبناني الى «الإسراع في إنهاء ملف الإنترنت والتخابر الدولي غير الشرعيين وأن الاستمرار في التباطؤ بات يثير الريبة لدى اللبنانيين من محاولات التغطية على المرتكبين».

وأوضحت الأمانة العامة لمجلس الوزراء في بيان أن قرار مجلس الوزراء بنقل اعتماد من احتياطي الموازنة العامة الى موازنة رئاسة مجلس الوزراء لعام 2017 تم على أساس القاعدة الاثنتي عشرية ولم يتم البحث ببند نفقات سرية.

الميكانيك إلى الحل؟

وفي موازاة ذلك، وفي ظل عدم التوصل الى حل بشأنه في الجلسة الحكومية الأخيرة، عقد الاجتماع الأول للجنة الوزارية المكلفة درس ملف مناقصة الميكانيك برئاسة الحريري، وأكد الوزراء أنهم سيستكملون النقاش لاحقاً.

وعلمت «البناء» أن «المفاوضات التي قادها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم في هذا الملف أفضت الى اتفاق على أن تبقى المعاينة الميكانيكية في عهدة الدولة، ووقف العمل بما سُمّي صفقة الدفاتر البيومترية واللوحات الذكية وإلغاء كل القرارات المخالفة للقانون التي تتعلّق بالصهاريج والشاحنات ونقل الملكية. وقالت مصادر معنية لـ«البناء» إن «هذا الموضوع في عهدة رئيس الجمهورية الذي وعد وفد اتحاد النقل البري الذي زاره بإبقاء هذا القطاع بإدارة الدولة وإلغاء الصفقة الميكانيكية الباطلة». وتوقعت أن يأخذ الملف جدلاً كبيراً في مجلس الوزراء، لكنها رجحت أن يتخذ المجلس في نهاية الأمر القرار المناسب بما يحفظ مصلحة الدولة وليس مصالح أشخاص وشركات خاصة.

وقال رئيس اتحادات النقل البري بسام طليس لـ«البناء» إن «الرئيس عون وفى بوعده لنا بأن يطرح ملف الميكانيك في أول جلسة لمجلس الوزراء»، وأكد ثقته بالرئيس عون وأنه لن يسمح بتمرير أي قرار في مجلس الوزراء يخالف القوانين، وجدد طليس تمسكه بإلغاء المناقصة الميكانيكية واحتفاظ الدولة بهذا القطاع، ولفت الى أن غالبية مكونات الحكومة تؤيد ذلك وترفض أي صفقة على حسابنا وحساب المواطن والدولة، وأشاد طليس بقرار وزارة الداخلية نهاد المشنوق بالسماح استثنائياً ولغاية 27 شباط استيفاء رسوم الميكانيك من دون إخضاع الآليات للمعاينة.

معطيات تحرّك التفاوض في ملف العسكريين

وفي غضون ذلك، عاد ملف العسكريين المخطوفين الى الواجهة مع بروز معطيات جدية في حركة المفاوضات، وكانت لافتة أمس، الزيارة المفاجئة التي قام بها اللواء عباس إبراهيم الى خيمة أهالي العسكريين في رياض الصلح، حيث اجتمع مع الأهالي لمدة ربع ساعة وسط إجراءات أمنية مشددة. وقال خلال اللقاء: «زيارتي الآن هي للمعايدة بالأعياد، ونأمل أن نشهد تطوراً في الوقت القريب يعطي خواتيم سعيدة لهذا الملف». وتمنى إبراهيم «أن يكون عيد أهالي العسكريين قريباً، وهو عيد تحرير أبنائهم المختطفين»، وقال: «إن الجهود التي تبذل في هذا الملف هي جهود جدية».

وأشار والد أحد العسكريين المختطفين حسين يوسف، إلى «أننا لن نقبل أن يدخل أحد على خط هذه القضية، لأننا وكّلناك بملفنا وأنت خير مَن يمثلنا». ورد إبراهيم ممازحاً: «وكالتي، هي وكالة غير قابلة للعزل، وحتى لو طلبتم مني الاعتزال، فأنا لم ولن أتنازل عن هذه القضية، لانها قضيتي كما قضية كل اللبنانيين».

وقد لاحت على وجه إبراهيم علامات الثقة والارتياح كما لدى أوساط الأهالي، وقالت مصادر معنية لـ«البناء» إن اللواء إبراهيم أكد لأهالي العسكريين أنه «يتابع الملف ولن يألو جهداً ولن يوفر وسيلة للوصول بالملف الى خواتيم سعيدة». وأشارت المصادر الى أن «المفاوضات تحركت باتجاه إيجابي مع الوسطاء».

وإذ لم تتوافر معلومات حاسمة عن مصير العسكريين حتى الآن، نفى إبراهيم للأهالي «المعلومات التي رافقت العثور على الجثث في الحدود». وتحدثت المصادر عن «خيوط توفرت لدى الأمن العام يمكن ربطها تؤدي الى مسك طرف الخيط في القضية تسمح بالنفاذ عبرها للتواصل مع الخاطفين». وعلمت «البناء» أن هناك وسيطاً لبنانياً في الجرود يتم التواصل معه ووسيطاً سورياً آخر تم تكليفه منذ فترة وجيزة في الرقة، وهما محط ثقة كبيرة للدولة وقد ثبت ذلك في مهمات عدة كلفا بها».

وناشد أهالي العسكريين عبر «البناء» رئيس الحكومة بالمساعدة في هذا الملف، وأكدوا أنهم «يعدّون لزيارة للحريري للطلب منه التحرك والضغط كرئيس لحكومة لبنان، مع دول إقليمية كتركيا والسعودية للمساعدة في استعادة العسكريين وأن يضم هذا الملف الإنساني الى أولوياته التي سيعمل على حلها».

وعلمت «البناء» أن «العسكريين لا يزالون في مكان ما في جرود عرسال على الحدود اللبنانية السورية ولم يتم نقلهم الى الرقة».

وكان رئيس الجمهورية قد استقبل أهالي العسكريين، بحضور المدير العام للأمن العام، وأكد عون «أننا سنواصل العمل حتى يتضح مصير العسكريين، ولن ندخر أي جهد مهما كان الثمن، وسأحمل قضية العسكريين المخطوفين في زياراتي إلى الخارج».

2017-01-06
عدد القراءت (2672)