مانشيت البناء تركيا وسط تجاذبين صعبين أميركي وإيراني... والجيش السوري يتقدّم عون لمجلس الدفاع بملف أمن الدولة

كتب المحرّر السياسي

يبدو التفاهم الروسي التركي الإيراني، كما التحالف التركي الأميركي، أقرب إلى هدنتين متجاورتين بانتظار حسم تركيا خياراتها المتأرجحة، فيما الضربات تستهدفها بالتتابع على يد داعش، فاجتمعت أمس المواقف التركية الأميركية المتصاعدة حول الخلاف في سورية، مع ظهور الخلاف التركي مع إيران إلى الواجهة. وفي الأول العنوان دعم الجيش التركي في معركة الباب المتعثرة بوجه داعش والمشروط بالتفاهم على الملف الكردي المستعصي بين واشنطن وأنقرة، وفي الثاني ملف جبهة النصرة والسعي التركي بلسان الجماعات المسلحة لضمها إلى اتفاق الهدنة، وتوجيه الاتهامات للجيش السوري وحزب الله بالخرق في معارك وادي بردى مع النصرة.

في المناخ الدولي والإقليمي الانتقالي بين حروب تتغيّر وجهتها وأحلاف تتغير طبيعتها، وإدارات تستعد لتولي السلطة وأخرى لتغادرها، يواصل الجيش السوري استثمار الوقت لتطهير البؤر التي تشكل مصادر خطر على أمن دمشق، في هدنة مع الهدنة، حيث لم تفصل أي من الفصائل الموقعة على اتفاق الهدنة ولا مرجعيتها في أنقرة مواقعها ومواقفها عن مواقع ومواقف جبهة النصرة، فالهدنة حيث لا وجود للنصرة، ولا هدنة حيث النصرة ولو وجد سواها، ووفق هذه المعادلة يتم تطهير وادي بردى ومناطق مشابهة في محيط العاصمة دمشق.

في هذا المناخ الانتقالي نفسه يستثمر لبنان على وهج الاندفاعة التوافقية التي أنتجت انتخابات رئاسية سلسة وتشكيل سريع للحكومة ولبيانها الوزاري وإقراره، ليترأس رئيس الجمهورية اليوم اجتماع المجلس الأعلى للدفاع المخصص لمناقشة الوضع الأمني في البلاد، والذي قالت مصادر متابعة إنه سيفتح خلاله ملف جهاز أمن الدولة وكيفية تفعيله بحضور رئيس الحكومة ووزراء المالية والدفاع والداخلية والاقتصاد الأعضاء في المجلس، الذي يتبع له الجهاز وفقاً لقانون إنشائه، بينما الحكومة نجحت في استثمار هذه الاندفاعة لتنتج حزمة من القرارات التي كانت تنتظر الإفراج عنها شهوراً وسنوات، وكان أول الغيث قطرة نفط ذيّلت بها مراسيم البدء بالعمل، خصوصاً في البلوكات الجنوبية التي تقع في عين الأطماع «الإسرائيلية»، ليضاف إلى هذا الإنجاز إنجاز إقالة مدير عام اوجيرو عبد المنعم يوسف، بعد نجاح الرئيس فؤاد السنيورة بتوفير الحماية له لسنوات.

تعثر التوافق في ملف الميكانيك، بعدما كان الاتفاق برعاية رئيس الجمهورية على ربط وقف تحرك السائقين بإقرار إنهاء عقود الشركات واستعادة المرفق من الدولة، بينما يبدو في وزارة الداخلية ورئاسة الحكومة مسعى لتعديل الاتفاقات بدل إلغائها ترجمتها لجنة تولّت الملف برئاسة رئيس الحكومة، ليظهر في الاجتماع المقبل للحكومة «الخيار من الفقوس».

يبقى ملف الملفات المتعلق بقانون الانتخابات النيابية، بانتظار جلسة حكومية تفتح باب البحث فيه، لتبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ومدى القدرة على بلوغ توافق على قانون جديد، أم سلوك طريق الوقت الضائع حتى يحين موعد المصارحة بالقول ليس بالإمكان أفضل مما كان، إلى قانون الستين درّ، وهذا ما كان موضع تحذير من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، في دعوته لعدم المماطلة في البت بشأن القانون وتأكيده على اعتماد النسبية كنظام انتخابي.

قفزة نوعية للحكومة

لم تشبه جلسة مجلس الوزراء أمس، جلسات الحكومات المتعاقبة منذ العام 2005 التي عصفت بها الخلافات السياسية وبلغت ذروتها في ظل حكومة الرئيس تمام سلام، حيث إن مناخ التوافق الوطني الذي بدأ بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية وصياغة بيانها الوزاري قد انسحب على اجتماعات الحكومة وترجم أمس، بجلسة وزارية منتجة أقرّت معظم بنود جدول أعمالها وفي طليعتها المراسيم النفطية وتعيينات في وزارة الاتصالات.

بمعارضة خجولة وإيجابية كما وصفها وزير الإعلام ملحم رياشي من وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي، تمكّن مجلس الوزراء من وضع قطار التنقيب عن النفط على السكة الصحيحة عبر إقرار مرسومي النفط العالقين منذ سنوات والمتعلقين بتقسيم المياه البحرية الخاضعة للولاية القضائية للدولة اللبنانية مناطق على شكل رقع وبدفتر الشروط الخاص بدورات التراخيص في المياه البحرية ونموذج اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في حين اتفق على تشكيل لجان وزارية لدراسة البنود الثلاثة الأخرى المتعلقة بملف النفط. واعتبر وزير الخارجية جبران باسيل أن إنجاز المراسيم النفطية والاتصالات واستعادة الجنسية انطلاقة استثنائية لمجلس الوزراء.

وأقفل مجلس الوزراء مرحلة طويلة من الخلاف والجدل السياسي والقانوني حول شرعية مدير عام هيئة أوجيرو عبد المنعم يوسف وممارسته وظائف متعددة، فأقرّ تعيين عماد كريدية مكانه كما عيّن باسل الأيوبي مديراً عاماً للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات خلفاً ليوسف أيضاً. وأقرّ المجلس المرسوم المتعلّق بآلية استعادة الجنسية ومرسوم توسيع ملاك الدفاع المدني من 600 الى 2500 عنصر، غير أنه أرجأ البحث في البند المتعلّق بالمعاينة الميكانيكية الى جلسة مقبلة وتمّ تشكيل لجنة وزارية في شأنه سيرأسها الرئيس سعد الحريري وتضمّ وزراء الداخلية والمال والعدل. وبحسب ما علمت «البناء» فإن وجهات النظر المتباينة بين الوزراء واستمرار الخلاف الماضي حول ملف الميكانيك وعدم التوصل الى حلّ بشأنه، دفع الرئيسين عون والحريري الى إحالته الى لجان وتأجيل البحث به كي لا يثير أي توتر داخل المجلس ويخرق مناخ التوافق والإنتاجية الذي ساد الجلسة. بينما وصفت مصادر وزارية حالة مجلس الوزراء بأنه عمل كفريق عمل واحد، وأكدت لـ»البناء» درجة التعاون والإيجابية العالية بين جميع الأطراف ولم تشهد الجلسة أي إشكالات أو سجالات.

واعتبرت مصادر وزارية أخرى أن إنجازات مجلس الوزراء أمس، قفزة نوعية وسابقة إيجابية ومتقدّمة في عمل الحكومات من خلال إقرار مراسيم النفط ومشروع تنظيم الدفاع المدني وموضوع بيع أدوية الأمراض المستعصية وغيرها من الملفات العالقة منذ عامين وأكثر»، وقالت لـ»البناء» إن «جميع البنود مرّت من دون أي معارضة باستثناء الوزيرين أيمن شقير ومروان حمادة اللذين اعترضا على مراسيم النفط فقط».

وعلمت «البناء» أيضاً أن «شقير وحمادة استندا في موقفهما الاعتراضي على المراسيم النفطية على معلومات مغلوطة نشرتها صحيفة «الدايل ستار» تتضمن تفاصيل تتعلق بمراسيم النفط وطلبا تسجيل اعتراضهما وتحفظهما على هذا البند». وأوضحت مصادر وزارية لـ»البناء» أن «النقاط التي اعترضت عليها الوزيران المذكوران موجودة وملحوظة في المراسيم التي أقرّها المجلس كالشركة الوطنية والصندوق السيادي الذي يتعلّق بالأجيال المقبلة، كما أن الدولة تشارك الشركات بالأرباح وليس بالإنتاج»، وأشارت الى أن «إنشاء شركة بترولية محلية لاستثمار الثروة النفطية أمر صعب ويحتاج الى خبراء جيولوجيين وكيميائيين ومهندسين وتمويل مالي وبالتالي سيتم إطلاق دورة تراخيص لتلزيم شركات خاصة»، ولفتت الى أن «إقرار المراسيم خطوة أساسية في مسار التنقيب عن النفط، لكن البدء بإنتاج النفط سيحتاج الى وقت أقله ثلاث سنوات». وأضافت أن «المناقصة الميكانيكية تحتاج الى المزيد من النقاش ولم يتسع لها الوقت وأحيلت الى لجنة وزارية على أن تقدم اقتراحاتها الى مجلس الوزراء في الجلسة المقبلة وسيتخذ المجلس القرار المناسب بشأنها».

وأكدت المصادر الوزارية نفسها أن «الرئيس عون لن يسمح بتمرير أي قرار مخالف للقوانين وضد مصلحة البلد»، مشددة على أن «الروحية التي سادت جلسة اليوم ستنعكس تسهيلاً لحل الأزمات ورفع إنتاجية الحكومة وإقلاع العهد وتحقيق مسيرة الإصلاح».

وكانت الجلسة قد انعقدت برئاسة الرئيس عون في قصر بعبدا وحضور رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري والوزراء. وطلب رئيس الجمهورية في مستهل الجلسة الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح الشهداء اللبنانيين الذين سقطوا في اسطنبول، وأعلم مجلس الوزراء أنه وبالاتفاق مع الرئيس الحريري، سوف يترأس اليوم اجتماع المجلس الأعلى للدفاع لإعطاء بعض التوجيهات الى القيادات الأمنية المعنية وتحديد طريقة عمل المجلس في ضوء الصلاحيات المنوطة به.

وأكد الحريري أن «الدولة بكل إداراتها وأجهزتها المعنية تصرفت بشكل جيد وفعال إزاء الحادث الإرهابي الذي وقع في اسطنبول، وقامت بما يُمليه عليها واجبها حيال جميع أبنائها». واقترح تشكيل لجنة وزارية لوضع خريطة عمل لمواجهة أي حادث طارئ، على أن تبقى على تواصل مع فخامة الرئيس ورئيس الحكومة في عملها، كما دعا الى تشكيل لجنة وزارية اقتصادية كان اقترحها في الجلسة السابقة لمجلس الوزراء لمتابعة المواضيع الاقتصادية».

قانون الانتخاب حجر الزاوية

وقال مصدر وزاري في 8 آذار لـ»البناء» إن «مرحلة التفاهم والتوافق السياسي والوطني هي التي أنتجت انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وأنجزت البيان الوزاري بسرعة قياسية وكانت الجلسة الأولى للحكومة أمس، بعد نيل الثقة حققت إنجازات كمراسيم النفط التي شكلت مادة خلافية بين القوى السياسية لسنوات عدة، ولم تستطع الحكومات السابقة إنجازها نتيجة هذا الخلاف».

وأشار المصدر إلى أن «التفاهم والتوافق الذي ساد جلسة أمس، سيساهم في تمرير موضوعات وقرارات أساسية في جلسات مقبلة كالتعيينات الإدارية وحلول للأزمات الحياتية، ولكن حجز الزاوية في المرحلة المقبلة هو التوصل الى قانون انتخاب جديد، وبقدر ما نقترب من تحقيق النسبية بقدر ما نحقق خطوات إصلاحية تحديثية وبناء المؤسسات». وأوضح المصدر أن «آلية اتخاذ القرار قد تغيّرت عما كان الوضع عليه في الحكومة المنصرمة نتيجة الشغور الرئاسي والخلافات السياسية، حيث كان يسقط أي قرار إذا اعترض عليه أحد المكوّنات الأساسية، أما الآن فسيطبق الدستور والقوانين وسيتم اتخاذ القرار بالتوافق أو بالتصويت بالنصف زائداً واحداً إما بأكثرية الثلثين مع وجود تفاهم سياسي ووجود الرئيس ميشال عون على رأس الجلسة بات الأمر اسهل.

بري: النسبية تنقلنا إلى الدولة العصرية

وفي غضون ذلك، حذّر الرئيس نبيه بري في لقاء الأربعاء النيابي من استمرار المماطلة في إنجاز قانون الانتخابات. وأكد أن «النسبية هي النظام الأنسب والأساسي في انتقال لبنان الى مرحلة بناء الدولة العصرية، وهي التي تؤمن التمثيل الوطني العادل وتلبي تطلعات وآمال اللبنانيين».

وجدد تأكيده على أن الاستثمار على الأمن يبقى أهم استثمار وطني. وأشار الى أن التجربة أثبتت أهمية هذا التوجّه منوّهاً بـ»جهود الجيش والقوى الأمنية في تعزيز الاستقرار وحماية الأمن الوطني وطمأنة اللبنانيين».

2017-01-05
عدد القراءت (2757)